عـَـقْـــلٌ غـيـرُ هــادِئ !

كتاب عقل غير هادِىء هو سيرة ذاتية للدكتورة كاي ردفيلد جاميسون و معاناتها مع مرض ذهان الهوس الإكتئابي أو الاضطراب الوجداني ثنائي القطب.

وهذا المرض هو عبارةٌ عن نوباتٍ تصيب المريض ليكون فيها ذا مزاجٍ عالٍ و في قمة عطائه، بل و يكون ذا نشاطٍ غير طبيعيٍّ جسدياً و عقلياً و ويقوم بأعمالٍ غير منطقيةٍ ، مثل شراء عدة تذاكر لحفلةٍ واحدةٍ أو شراء عدة نسخٍ من روايةٍ واحدةٍ ، ثم تنتكس هذه الحالة فيصبح المريض مكتئباً كسولاً لديه الرغبة في الإنتحار.

من يقرأ الكتاب يجد أن كاي جاميسون تحكي قصتها ابتداءً من الطفولة ومرورًا بكلية الطب ، وحتى توليها عدّة مناصبٍ أحدها الطبيبة المشرفة على تدريب الأطباء الجدد في قسم الطب النفسي بمستشفى كاليفورنيا.

نشأت نشأةً مثالية في عائلةٍ محبةٍ ومجتمعٍ يشجّع فضولها المعرفي ، لذا لا توجد علاقةٌ بين إصابتها بالمرض و نشأتها الأولى ، بل إنّ مرض الهوس الإكتئابي هو مرضٌ وراثيٌّ ! الغريب في الأمر أن الدكتورة كاي متخصصةٌ في الأمراض النفسية و بخاصةٍ مرضها ( ذهان الهوس الاكتئابي) ، مما جعلها في حرجٍ من البوح بمرضها علاوةً على نشره في كتاب. البوح بمرضها قد يكلّفها وظيفتها و مصداقيتها في علاج هذا المرض ، هذا إذا علمنا أنها من ألمع الأطباء في مجال الطبِّ النفسيّ و خاصةً مرض ذهان الهوس الاكتئابي. لك أن تعرف عزيزي القارئ أن المرض يصيب المبدعين بنسبةٍ أكبر من عامة الناس.

وعندما أرادت الدكتورة كاي أن تحاول النسيان ، أحبّت رجلاً لندنيًا يعمل في الجيش وتزوجت به ، كان لها تقريبًا منفذًا وملاذًا من الحياة التي كانت تعيش فيها ، ولكن فجأةً وبدون مقدماتٍ يتصل بها ضابطٌ من وحدة زوجها ليخبرها بوفاته بنوبةٍ قلبيةٍ في إحدى الرحلات إلى الشرق ، لتعود سلسلة الأحزان بشكلٍ آخر مختلفٍ عما سبقه من حياتها.

علاج المرض يحتاج إلى شيئين: العلاج النفسيّ و دواء الليثيوم ، الشئ الغريب هو إصرار الدكتورة كاي جاميسون على عدم أخذ الدواء و الاستماتة في محاربته ، مع علمها بحاجتها الشديدة إليه دائماً ! أحد أسباب محاربتها لأخذ الدواء هو أنه يحرمها من أمْزجتها العالية و ممارسة الرياضة ، و يقللّ من حيويتها و حماسها الذي يتخطى القدر المعقول. الشيء المزعج في المرض هو أن المريض يحسُّ بتحسنٍ مؤقتٍ مما يجعله يتوقف عن تناول الدواء ،  و بالتالي عودة أعراض المرض ولكن بشكلٍ أكثر عنفاً و تكراراً ، تقول الدكتورة كاي (كنت مقتنعةً بأنني استثناءٌ للبحوث العلمية الشاملة التي أثبتت بوضوحٍ أنّ ذهان الهوس الاكتئابي لا يعود و حسب ، و لكنه يعود في هيئةٍ أكثر عنفاً و تكراراً!).

ربما هو إحساس العاجز الذي يرى أن مصيره تتحكم فيه أقراص الدواء! أو هو شعورها بالحرج الشديد من الذهاب إلى طبيبٍ آخر ليشخص لها مرضاً هي من أعلم الناس به! ثم معاناتها مع محاولات الانتحار العديدة الفاشلة ، وكيف أنها تناولت عبوةً كاملةً من الليثيوم ونَجَتْ !

لتعطي غيرها درسًا أن الحياة لا تنتهي إلا بالموت. وتعود بعدما تعافت من المرض لتكتب بكل شجاعةٍ ما حصل لها على الرغم من خطر تشويه سمعتها كطبيبةٍ نفسيةٍ مصابةٍ بمرضٍ نفسيٍّ ، صُنْف كأعلى الكتب مبيعاً في مجلة التايمز الأمريكية عند صدوره. كتابٌ رائعٌ غيرُ هادئٍ كعقل مؤلفته.

معلومات عن الكتاب:

العنوان: عقل غير هادئ-سيرة ذاتية عن الهوس والإكتئاب والجنون-.
المؤلف: كاي ردفيلد جاميسون.
ترجمة: حمد العيسى.
دار النشر: الدار العربية للعلوم.
عدد الصفحات: 239 صفحة

مقالة عن الكتاب في جريدة الرياض.
مقالة عن الكتاب في شبكة الإعلام العربية.

“طـَـريـقُ الــعَــقـْــلِ الــمُـــزْدَوج”

عندما تُبنى مبادئنا على أسس ضعيفة وهشة، فإنها سرعان ما تتهاوى أمام أضعف العقبات، فنلجأ “لا شعوريا” إلى مناقضة مبادئنا كي نتجاوز هذه العقبات، ومع الوقت والتكرار، يصبح التناقض منهجاً لتفكيرنا في كل شيء، حتى تصبح عقولنا كالطرق السريعة المزدوجة، ذات اتجاهين!

كنتُ حاضراً في أحدِ المجالس ، استمع مع الحاضرين إلى صحفيٍّ قديرٍ ، وهو يحكي معاناة الشباب والفتيات مع القبول في الجامعات ، وسرد لنا قصّته ومعاناته الخاصة ، مع ابنه المتخرّج حديثاً من الثانوية ، بنسبةٍ لا تؤهله للقبول في تخصّصٍ  مناسبٍ ، ويتابع الرجل بمرارةِ أبٍ مخلصٍ ، ممزوجةً مع فخرٍ صحفيٍّ نافذٍ ، كيف لجأ إلى معارفه من النافذين في سلْكِ التعليم العالي ، وكيف تفاجأ وهو في مكتبِ “طويل العمر” ، أن هناك الكثير ممن يعرفهم شخصياً من “قِصار العمر” ، قد سبقوه وهم يترجّون ويتذلّلون من أجْلِ توقيعٍ أو مكالمةٍ ، تضع أبناءهم وبناتهم في قائمة “مستقبلٌ مضمون” الحصرية. لكن صاحبنا وبسبب مكانته الاجتماعية المرموقة ، حظيَ باهتمام المسؤول ، ولم يرمَ في طابور الرِّعاع المُمتدِّ من باب المكتب إلى نهاية الشارع ، ولم يكد يَطَأُ بقدمه “المرموقة” خارجاً ، إلا وسلسلة اتصالاتٍ خاطفةٍ ، تأخذ طريقها إلى مكاتب الجامعة ، حاملةً الأوامر العاجلة ، بقبول ابن فلانٍ في الكلية التي يرغبها.

ما زلت أتأمل في الصحفيِّ القدير ، مبهوراً من نفُوذه ، مُعجباً بأبويّته ، مُندهشاً من أسلوب كلامه ، ومحتقراً لذمّته! ، وهو يرتشِفُ الشاي ليرطِّب حُنجرته المهمّة ، ويتابعَ حديثه بشغفٍ عن النّظام الجامعي البالِي ، وكيف أنّه لا يعدِل بين المتقدّمين ، ولا يُراعي الفروقات الفردية! ، وكان أرشيف عقلي يسترجعُ مقالاً قوياً قرأته ذات مرةٍ عن مساوئ الواسطة في مجتمعنا ، وأنها بلاءٌ وسببٌ للتخلّف والرجعية ، ولم يكن كاتب المقالة القويّة ، إلا الصحفيَّ ذو الحنجرة الذهبيّة ، صاحب الواسطة والمكانة الاجتماعية! ، تذكرت ذلك بينما يحاول جاهداً –بموهبته الانتقاديّة الفطرية- أن ينال من نظام التعليم بشتّى الوسائل ، سارداً قائمةً طويلةً من العيوب والمشاكل ، والتي واجهها التعليم قبل عقودٍ من الزّمن! ، وعندما شعر بأن قائمته شارفتْ على الانتهاء ، انطلق يسبح في عالم النّقد والتحليل ، ليهاجم النظام الصحيّ والسّكنيّ والبلديّ والعمّاليّ والتقاعديّ في نَفَسٍ لاهِث ، وسيلٍ لا ينقطع من الكلمات المتتابعة بدون فواصل ، حتى لا يترك مجالاً لأيٍّ من الحاضرين ، ليتذكّر ما كان قدْ كتبه عن الواسطة ، ثمّ كيف استعان بها الآن ، فيتجرَّأ ويطرحها للنقاش أمامه.

الإزدواجيّة والتناقض ، أبرزُ السِّمات الفكرية لمجتمعنا المُعاصر ، في أيِّ قضيةٍ نُواجهها ، وكيفما حاولنا تحليلها وفهمها ، سنرغِم أنفسنا على اللّجوء إلى الإزدواجيّة ومناقضة آرائنا ومبادئنا ، لنخلص أنفسنا من مأزقٍ الإقرار بحقّ الآخرين ، أو مذلة الاعتراف بخطئِنا ، وفي بعض الحالات ، عندما نواجه ما يخالف مبادئنا ، فنلْجأ إلى التّحايل عليها ونقضها ، أو “نزّْدَوِج” لمجرّد اتّباع الهوى وتقديم مصلحتنا الشخصية على الغير ، فنُعاتب الآخرين على خطأٍ قد نرتكبه بأنفسنا يوماً ما ، وبدل الاعتراف به ، نحاول أن نبرّره قدرَ الإمكان ، بصورةٍ تجعل العذْرَ يُبرِّر الخطأ لنا ، لكنه لا يُبرِّرُ نفس الخطأ للآخرين!

قيادة السيارة على سبيل المثال ، فالسائق يغضب ويسبّ ويلعَن ، لمجرد أن شخصاً تعدّى أو “سقط” على مساره فجأةً ، وبعد دقائق قليلةٍ لا ترى إلا نفس السّائق وقد سقط على عرْض الطريق بكامله ، وعندما تواجهه بأنانيته ومناقضته لنفسه ، يردُّ عليك بثقةٍ عجيبةٍ بأن هذا “عُرْفُ الطريق”! ، وهو ليس بعُرّفٍ نزل من السماء ، أو كتبه الحكماء والعقلاء ، بل هو كتابٌ مفتوحٌ ، يضعُ فيه أيّ سائقٍ همجيٍّ قانونه الخاص والمريح لمزاجه ، وله الحقّ أن يغيّره كيفما شاء ، متى ما رأى مصلحته تعارضت مع ما كتبه بنفسه ، فيصِف سقوطه الحرَّ بأنّه شرعيٌّ ، بسبب وضعية الطريق وزاوية الالتفاف ، بينما “سقطة” الآخر جريمةٌ قذرةٌ ، بسبب حالة الزحام واتجاه الرياح!

ومن مظاهر التّناقض العجيبة ، عندما نرفض دائماً أن يتقدّم أحدٌ علينا في صفِّ الانتظار ، لكننا نتحيَّن الفرص ونكيدُ المكائد ، لأجل أن نقفز في الصفِّ مرتين أو أكثر للأمام ، وإذا ما كنا عاطلين عن العمل ، طالبنا بتخفيض رواتب الموظفين المرتفعة حتى نجد لأنفسنا وغيرنا من العاطلين وظائفًا ، ومتى ما شعرنا باستقرار الكرسيّ تحتنا ، طالبنا بزيادة الرواتب ، والعجب كل العجب عندما تشاهد شخصاً جاهلاً يخبره الطبيب بنجاح العملية ، فيُغرِقه بالمديح والثناء ، وأنه أفضل الأطباء ، وعندما تسوء حالته بعد ذلك ، يصفه بالطبيب الفاشل ، وأنه بإجراء الجراحات جاهل!

ولم يَسْلِم الدين ، وهو الذي قام على سلامة العقيدة ، وحسن النية ، وإخلاص العمل ، لم يسلمْ من تناقضات قلةٍ من أتباعه ، فنجد بينهم من يدرّس الشريعة لأغراضٍ دنيويةٍ ، فيُتقلّد بها المناصب ، ويحصل على الأموال والنفوذ ، وبعضٌ آخر يتخبط في الفتوى ، فيحرّم شيئاً ، ويسارع إلى تحليله بعد فترةٍ قصيرةٍ ، أو أن يُحرّم عملاً لسببٍ ما ، ويحلل آخر وهو فيه من السبب نفسه. قد تكون هذه التناقضات المنسوبة زوراً إلى الدّين من أخطر التناقضات الفكرية ، لكنها من جهة أخرى ، تواجه مقاومةً عنيفةً من العلماء ، ذَوِي العلم الواسع ، والعقل المتفتّح الواعي ، ممّا قللّ خطر أدْعياء التدين ، وحجّم من انتشار فكرهم.

أما في الجانب الآخر من المجتمع ، نجد الشباب الطائش والفارغ داخلياً ، المشوش فكرياً ، والمنحرف أخلاقياً ، والذي لا يجد ما يشغل وقته إلا التعرف على أكثر عددٍ من الفتيات ، ومواعدة أجمل الجميلات ، وارتكاب أعظم الفواحش والمنكرات ، ومن ثم يمشي متبختراً ، أمام أقرانه من الفاسدين والفاسدات ، متفاخراً بعشيقاته ، وكأنهن أوسمة شرفٍ على صدره المريض بالآفات ، وإذا ما جاءه أهل الفتاة ، غاضبين ثائرين للعِرضِ وشرف العائلات ، لم يُلْقِ لهم بالاً ، بل ربما عاندهم وفضح صور بناتهم في المنتديات ، لكن عندما يفاجأ يوماً بشابِّ طائشِ مثله ، فعل بأخته مثلما فعل هو في البنات ، فإنه يهيج كثور طار عقله ، ويهدّد بالقتل والانتقام والويْلات ، يدّعي الرجولة والحميّة! وهو الذي انتهك الحرمات ، يدّعي حقّ الانتقام للشرف والعرض! وهو من باعهما بأقل الريالات ، وها قد جاء موعد الدفع ، وتصفية الحسابات ، فلم الغضب؟ وهل انتهاك العِرْض لك مشروعٌ ، وعلى غيرك من المحرمات؟ أم يَحرُم على غيرك الانتقام ، وهو لك من المباحات ؟ِ

إن ازدواجيتنا وأنانيةَ تفكيرنا تخطّت بيئتنا المحلية ، وأصبح يعاني منها شعوب الأرض ، فعندما نسافر إلى بلاد الله الواسعة ، نحتقر أصحاب الأرض ونهينهم في بلدهم وبين أهلهم ، لكن عندما يقدِمُون إلينا ضيوفاً للرحمن ، حُجّاجاً لبيتِ الله الحرام ، نُعاملهم بترفعِ وكبرياءِ ، وكأنهم بشرٌ من الدرجة الثانية ، نقول أننا مسلمين والإسلام دين العدل والمساواة بين القبائل والشعوب ، وفي ذات الوقت نحتقر العمالة الوافدة ، ونقلل من قيمة جيراننا من الشعوب ، ونبغض من أصوله ليست بـ”قبلية”! ، بل نُعادي حتى القبائل الأخرى ، في تجسيدٍ واضحٍ لمبدأ العنصرية الجاهلية النّتنة.

كل هذه التناقضات الفكرية العنيفة ، ما هي إلا خللٌ في طريقة العقل في تحليل وحلّ المشكلات ، ليس لها سببٌ معينٌ ، وليست محصورةً بمكانٍ أو زمنٍ أو فئةٍ عمريةٍ محددةٍ ، بل هي نتاج خليطٍ معقد من عادات اجتماعية سلبية ، وتراثٍ حضاريٍّ مشوّه ، وحقبةٍ تاريخيةٍ منعزلةٍ ، اصْطَدَم ذلك كله بتعقيدات العصر الحديث ، ووتيرته المتسارعة ، وتياراته الفكرية المتنوعة ، وبين هذين العالمين المختلفين ، احتارت عقولنا أيَّ طريقٍ تسلك؟ وفي ظلّ انعدام الموجّه والدليل ، انصَعنا لحكمِ الأهواء ، فمتى ما وجدنا مصلحتنا مع التقدم والحداثة سلكنا طريقها ، ومتى كانت منفعتنا في التمسك بإرثِ الأجداد قفلنا راجعين إلى طريقهم! وهكذا لم يقوى المجتمع على اللّحاق بركب الحضارة وسفينة العولمة ، فبقينا متخلفين على برِّ الماضي ، واقفين على أطلال مجدٍ زائلٍ ، فلا أعدنا بناءه من جديد ، ولا تركنا رياح الحداثة تأخذ مجراها.

عندما نُزيل رمال الجهل المتراكمة ، ونرفع أحجار الخرافات والأساطير ، عن سرِّ العظمة والمجد القديم ، عن نبْع الإسلام الصّافي ، الخالي من التشدّد والبدع والأهواء ، ثم نحسب متغيرات العصر ونضيف إليه متطلباته ، في بساطةٍ وتناغمٍ وتكاملٍ ، تجعل من معالم الطريق واضحةً أمام عقولنا ، فلا تجد صعوبةٍ في رؤية العقبات على حقيقتها ، وتحليلها ثم “تجاوزها” إلى الأمام بما تملكه من الأدوات ، المصنوعة من مبادئ الإسلام ومتغيرات الزمان ، بدل أن نضطّر إلى “تغيير” وجهتنا إلى الوراء ، وبهذا لن تكون حلول العقل متناقضةً يعاكس بعضها بعضاً ، ولن تجد الأنانية طريقاً إلى أدوات عقولنا ، فنسمو بفكرنا فوق كل ازدواجيةٍ وتناقضٍ ، مهما كانت دوافعها.

كــيـفَ تـتــمَـــتــَّـــعُ بِـبـُــؤسِـــك !

انتشرت في أيامنا هذه حالةُ اليأْسِ من كثرةِ المشاكل والقضايا النفسيّةِ والأسرية الخاصّة حتى على نطاق الصّداقة ، فتجد هذا يعمل بألمه ، وتلك تدرس ببُؤسِها ، وهذا يتمشّى بحُزنه ، فباتَ العالم والناس والمجتمع يدورون بدوامةٍ تعيسةٍ ، وبحقبةٍ زمنيةٍ سوداءَ من العذاب اللّامنقطع. حتى تصل لدرجة أن البعض يريد حُـكـمَـاً مـُحـَـلّلاً للانتحار .. ولو وجده لفعل!! ما أريده منك عزيزي المبـتـئـِس الـمُـنـكَـسِر أن تُعطِنِي كامل انتباهك وتغلق عينيك عمّا حول الشاشة للحظات. نعم. ابقَ لوحِدك قليلاً مع بعض السطور القادمة.

إن التّـأمُّـل عبادةٌ ربانيةٌ ؛ أمرنا ربُّ العزَّةِ والجلالات من فوق سبعِ السّماوات بالتأمّلِ في خلقه وملكوت صنعه ، إن التّـأمُّـل رياضةٌ روحيةٌ ، تصفيةٌ ذهنيةٌ ، وسرٌّ للطاقة البشرية ، فبالتأكيد أنك شاهدت أحد فنون القتال كالنينجا والكونغفو وغيرها في أحد الأفلام ؛ ستجدُ أن تدريبهم الأوّل هو القدرة على التّـأمُّـل والاسترخاء ، والجلوس تحت الشلالات وأعالي المرتفعات للعديد من الساعات. وكل هذا لجمْع الطاقة الدفينة بداخلك ؛ وتوجيهها كما تريد. إن المتأملين بعظمة الكون أسلموا ؛ والمتأملين بغرائب الطبيعة اخترعوا ؛ إن الاستشعار والتّـأمُّـل قوىً خارقةٌ للروح البشرية لا يدركها إلا من جربها.

عندما تعيش حالةً من البؤس والانكسار أريدك أن تستمتع بكل لحظة فيهم .. أن تتأمُّـل كل متعةٍ فيها. نعم تـمَـتّـع بـبـُـؤسِـك !! واستشعر هذا الانكسار بكل جوارحك !! خـُذ نفساً عميقًا وأعلم أنك تعلم أنك في حالٍ من اليأس ، استشعر مكانك الذي أنت فيه ، استشعر الأثاث الذي حولك ، استشعر الأرض التي تحتك ، ركّز في نفسك وبداخلك .. استشعر أنفاسك الآن ، ركّز في ذاتك ، راقب الأشياء التي حولك ، راقب تساقط الأوراق ، انتبه لتوزيع الإضاءة حولك ، استمع للأصوات كلاً على حدة ، واستشعر الوقت ! نعم أنت تعلم الآن أن عاطفتك محطّمة ، وأنت الذي تقوم بذلك ! تأمّـل قليلاً..وامتلك نفسك ، اطرُد كُرهك وغضبك وحزنك ، ابتسمْ وتفاءلْ ؛ فما زال كلُّ شيءٍ تحت السيطرة.

عندما تتحدث مع أصدقائك ؛ استمتع بالحديث معهم ، استمتع فعليًا بذلك ، ركّز في كلماتك ، اضحك بصوتك ، لا تفكر في مصائبك وماضيك ولا مستقبلك ، عطِّل ذاكرتك ، خُذْ نفسًا عميقًـا مرةً أخرى وانسَ  وتناسى إن لم تستطع ؛ فسوف تنتقل تلك التي تتناسها إلى النسيان تلقائيًا مع التدريب المتواصل. عندما تغفو على فراشك ؛ تـأمَّـل الراحة ، استشعر الهدوء والظلام الذي حولك ، وتحسًّس الفراش الوفير الذي تحتك. عِشْ بحلمٍ ، عِشْ بقوةٍ وأملْ  ، فكّر بعقلك ، واترك عاطفتك قليلا ً.واستحضر الإيجابيات ! فعقولنا اللّاواعية ترسم السواد لنا بغير إرادتنا ونحن من نريد لها ذلك ! كيف؟

ركّز معي الآن .. واقرأ الجملة التالية : “لا تفكّر في سيارةٍ حمراء ، لا تفكّر في سيارةٍ حمراء” قُلْ لي ما الذي خطر ببالك ؟ نعم. لا تستغرب ذلك ! إن أوّل ما خطرَ على بالك هي سيارةٌ حمراءُ بغض النظر عن نوعها. حيث لا تستطيع التحكّم بعقلك اللْاواعي فهو يُفكّر كما تريد دونما إرادتك !

فلنجرّب تمرينًا آخر : تخيّل معِي أننا نريد عمل إعلانٍ لمنتج ٍما ، وذهبنا لزبونٍ معينٍ وقلنا له : “نحن لا نسرقك ، نحن لسنا شركةً نصًابة!!” وذهبنا لآخرِ وقلنا له : “نحن شركةٌ متميزةٌ وصادقةٌ نقدّم خدماتنا بكلِّ أمانةٍ” .. هناك فرق ! رُغم أنّ المغزى والمعنى واحدٌ ؛ وهو أنها شركة تقدّم خدماتها بشكلٍ صادقٍ وأمينٍ.

لا تعِش بفوضى. رتّب حياتك ولا تجعل منها ورشةً ! فهنالك الوقت للأكل ، لا تشاهد التلفاز وأنت تأكل! فهذا وقت الأكل ، دعْ جسمك يتمتّع بوجبته ، وتلذَّذ بالطعام الذي تأكله. عندما تصلّي ؛ ركّز في صلاتك ودعْ روحك تتمتّع بغذائها ، عندما تسير بالسيارة تـأمَّـل الطريق واستشعر القيادة ، استشعر البيئة التي حولك ؛ في السيارات التي تسير بجوارك؛ ستجد نفسك تريد القيادة بشكلٍ أشدَّ حذرًا وأكثر انتظامًا ، عندما تسمتع إلى الصوتيات بكل أنواعها اسمعها بكل جوارحك ، ركّز في كل شيءٍ فيها ، استطعِمِ النغم وعِش اللحظة ! ولا تفعل شيئًا آخر وقتها حتى لا تعيش في الوهم !

حوّل من معاناتك لعبادة ، اصبرْ واشكرْ وتوكّلْ ، استشعر عذاب الدنيا وقارنه بروعة الجنة ، استمتع بإنجازاتك وقدراتك ، فوصولك لهذا السطر إنجازٌ ، افخر به وواصل المسير . لقد انهيت دراسة السنة الماضية بغضِّ النظر عن نتائجها فلقد أنهيتها ونجحت!

منّا من يستطيع الضحك ، ومنا من يكثر البكاء ! حتى يا من تبكي ؛ تمتّع ببكائك. إنّ من يبكي؛ هو يريد ذلك. واسأل من جرب البكاء وكيف هي الراحة بذلك. لا تتهاون في إنزال دموعك عندما تناديك، تمتع بها، واستشعر طعمها حتى عند أشدّ المصائب!

يتقشعر البعض من الروتين ؛ لعدم تذوّق طعمِ الحياة ، لو استيقظت في صباحك وأنت تستشعر أشعة الشمس ، وتأملت قدرة الخالق كل يوم ، وتمتّعت بوجبة إفطارك ، وكيف هي كانت لك ولم تكن لخيالك ، لجعلت من الرّوتين أمراً خارقاً!

إن البعض يقضي الأوقات الطوال على شاشات التلفاز ، والبعض على شاشات الحواسيب ، ومنا من لم ترهقه قطٌّ مسيرة الشوارع ! هل سألت نفسك لماذا أنت قد لا تطيقُ أحدها ولو بشغلٍ طارئ؟ إنّ كلَّ من يفعل هذه الأعمال يعيشها بلذّتها واستشعارٍ كاملٍ بمتعتها فكيف تفرق بين المُحِبِّ ومن يحبُّ بشتّى الطرائق !

عند مواجهة المشاكل والمصائب ، عندما يستفزك رجلٌ شاردٌ ، أو امرأةٌ على طارئ !  قف قليلاً .. تمهّلْ .. استشعر وتأمّل .. لا تغضب .. تكفيك هذه الحكمة .. فمهما تصرفت بعدها سيكون أفضل مما قد يكون قبل ذلك !عند دراستك وأداء عملك ركّز فيها وابتعد عن الشوارد .. فعقلك قويٌّ بما يكفي لتجاوز هذه المرحلة ، وستجِدُ العجب والعجائب !

اجعلْ من ألمك لذةً .. فما ألذَّ عذاب المتعةِ ومتعة اللّذةِ .. فيا ترى هل هناك من معتبرٌ وسامع ؟ وتذكّر ..كلما ازددت تمتعاً بالانكسار.. ازددْتَ متعةً بالانتصار.



سنـةٌ جَـدِيـدةٌ .. فـكـيف أصـبحْـتَ لِهـذه السّـنـة ؟!

لديك مئةُ رسالةٍ جديدةٍ ..
إلى كُل من يُشكِّـل جَزءًا ” جَميلاً ” فِي حيآتِي كُل عآَم وََ أنتْ بِخيرُ ، سنةٌ جديدةٌ والنفس سعيدةٌ إن شاء الله ، كل عامٍ وأنتم إلى الله أقرب ، وعلى طاعته أدْوَم ، ومن الجنة أدنى وأقرب ، وعن النار أبعد ، ولفعل الخيرات أسبق ، ولسنة النبي ألزم ، وأطال الله عمرك فى طاعته وأسعدك بدخول جنته ، سنة جديدة ﯾا ڔب اجعل القادم ﺧﯾڔًا وَ الماضي خيرةً .

ابتدأتْ سنةٌ هجريةٌ جديدةٌ .. وامتلأ صندوق الوارد والجوال والفيس بوك والبلاك بيري برسائل تهئنةٍ ودعواتٍ واعتذارٍ ومسامحةٍ ومباركةٍ للجميع ، وكل سنةٍ مثلُ هذه الرسائل وأكثر نستقبلها وبكلّ صدرٍ رحبٍ من الجميع ، نتبادل الصور والتهاني عبرَ الوسائل التقنية المتطورة. أو قد نحذفها مباشرةً لتكرارها وعدم جديدها في المحتوى ، أو لأننا ببساطة نعلم أن مشاعر الشخص الآخر ليست صادقةً ؛ فأغلب الرسائل ما هي إلا قصٌّ ولصقٌ كما هو الحال عند الناس عمومًا !

سنةٌ جديدةٌ فكيف أصبحتَ لهذه السنة ؟
هل أصبحتَ سعيداً متفائلاً بكل خيرٍ لهذه السنة الجديدة ؟ أم أصبحت متشائماً وفِـكـرُك يُـثـقِـل بالهموم والتفكير بالدراسة أو الدوام ؟
هل كتبتَ لنفسك هذا الصباح الأمنيات التي ترغب بتحقيقها لهذه السنة ؟ أم هذه السنة ستجري مثل إخوتها من السنين والأعوام ؟
ما هي أحلامك للسنة الماضية والتي ترغب بتحقيقها هذه السنة ؟ ما هي طموحاتك ، أهدافك وأمنياتك ؟

سجّل أهدافك وطموحاتك لهذه السنة في دفتر ملاحظاتٍ أو ورقةٍ على الحائط أو حتى جوالك أو أيّ مكانٍ تشاهده باستمرار ؛ فمثلاً :

– التوكل على الله في السرّ والعلن.
– الاستيقاظ مبكراً بنفسيةٍ متفائلة وسعيدة .
– التزام قراءة القرآن يومياً.
– الجدّ والاجتهاد في الدراسة والعمل .
– الحصول على شهاداتٍٍ ، دوراتٍ ، أعمالٍ جديدةٍ لسيرتي الذاتية.
– البدء في إنجاز مشروعٍ خاص “سواءً كان ربحياً أو تطوعياً”.
– الإلتزام بقراءة كتبٍ أو قصصٍ أو رواياتٍ يومياً / أسبوعياً / شهرياً.
– العمل على تحسين أخلاقي وقراءة كتب وحضور دورات تطوير الذات .
– ممارسة الرياضة “المشي ، الهرْولة ، السباحة” وتعلم رياضةٍ جديدةٍ وتغيير الروتين.
– إنتاج مشاهد تعليمية مفيدة للبشر .
– العمل على بثّ روح الابتسامة لدى الآخرين بتطبيقها على نفسي أولاً “تبسٍّمك في وجهِ أخيك صدقةٌ”.
– العمل على أن أكون الشخص الذي يغير من نفسيات الآخرين إلى الشكل الإيجابي والحسن المتفائل وبثّ روح التنافس والحماس والثقة بأنفسهم.
– بذل وإعطاء الصدقة لمستحقيها يوميًا / أسبوعيًا / شهرياً .
– بذل الجهد في ربط أواصر المحبة والعلاقة الطيبة مع أسرتي ، أقاربي ، أصدقائي .
– زيادة دخلي الشهري بعملٍ إضافيٍ جزئي أو بالتجارة .

كلّ ذلك وأكثر حسب اهتماماتك يمكن تسجيل ما ترغبه وتحبُّ تعلُمِه وتنفيذه حقاً ..! وكلُّ ما ذكر جميلٌ ورائعٌ ؛ ولكن لكي تبدأ سَـنَـتَـك الهجريّة الجديدة عليك بـالتخطيطوذلك بسؤال نفسك : أين أنا الآن ؟ أين أريد الوصول ؟ كيف أصِلُ إلى ما أريد ؟

كل قارئٍ يقرأ الموضوع الآن يستطيع أن يضع هدفاُ على الأقل لتحقيقه بعد سنةٍ من الآن ، لأنه الشخص الأدرى بظروفه وطموحاته وإمكانياته وقدراته الشخصية . والمهم ألا يسجل أهدافه ثم يطويها في سجل النسيان ! فلا بد من العمل على تحقيقها ، والأهم من ذلك لا تكن مثل الآخرين الضائعين في السنة الماضية وعزموا على الضياع في هذه السنة  ؛ فلا تكن كالأعمى الذي يمشي بلا عصى ولا دليلٍ معين ، فلا تقل : “لا أعلم”، ” لا يهمني” ، “كل شيءٍ يأتي بوقته” ، “خلينا نعيش حياتنا”.

صحيحٌ أننا نرغب جميعًا أن نعيش حياتنا .. ولكن أيضاً ذلك يكون بالتخطيط والتركيز وعدم التخبّط والعشوائية ، وألا تكون مثل الآخرين في التفكير . الحياة المعتادة الروتينية . تتعلم ، ثم تعمل ، ثم تتزوج ثم تنجب الذرية فتعلّمهم ثم تموت .. ثم ماذا ؟! أم أنك تحلم بتخليد ذكراك حتى بعد الممات أو أن تحقق لنفسك شيئًا كبيرًا خلال حياتك !

والسؤال هو : أنتَ / أنتِ ؛ ما هي أهدافك ؟ أحلامك ؟ طموحاتك التي تودّ/ين تحقيقها بعد سنةٍ من الآن؟!

ما هو الـحِـمْـضُ الـنـَّــوَوي أو الـ DNA ؟

ما دعاني للكتابة عن الموضوع هو أني سألت شخصًا ما عن مكان الحمض النووي في الجسم البشري ، فأجابني ربما في البطن وربما في الدماغ! فأصبت بخيبة أملٍ كبيرةٍ. ومن يومها وأنا أحاول صياغة الموضوع بطريقةٍ قابلةٍ للفهم. تعالوا معًا نُـبحـر في مكانٍ لا يتجاوز ٣.٤ نانومتر.

قبل العام ١٩٥٣م لم يكن العالم يومًا يتصوّر الشكل الأخـّـاذ للحمض النووي ؛ السُّلـّمُ الملتفّ اللولبي. الحمض النووي هو الكتاب الذي يحمل جميع الوصفات الكيميائية لتحضير جميع البروتينات والإنزيمات في جسم الكائن الحي. ابتداءً من الفيروسات وانتهاءً بالإنسان. ولكنه لا يستخدم الحروف العربية في كتابة هذه الوصفات وإنما أربعة حروفٍ فقط وهي إختصارًا A,T,G,C.

الخالق سبحانه وتعالى أودع هذا الكتاب في كل خليةٍ حيةٍ .. أي أننا نحمل مليارات الكتب في أجسادنا بعدد خلايانا ، والغريب في الأمر أن جميع الخلايا البشرية تحمل نفس الكتاب ؛ ولكنها تنتج موادًا مختلفةً ولديها أشكالاً وقدراتٍ وتصرفاتٍ مختلفةً ، وفي كل كتابٍ تجد ٢٣ بابًا في ٣٠ ألف صفحةٍ ، فما الذي يجعل الخلايا مختلفة ؟!

يكمُنُ السرُّ خلف هذا الاختلاف أن الكتاب ليس متاحًا لأي خليةٍ بأن تقرأه كاملاً !! فلديها عددٌ معينٌ من الأبواب (الكروموسومات) والصفحات (الجينات) التي تستطيع استخدامها -وتختلف من خليةٍ لأخرى- فمثلاً: الخلية الكبدية سداسية الشكل لأنها لا تَــقـرأ إلا الأوامر المكتوبة في شريط الحمض النووي التي تجعل من نفسها خليةً سداسية الشكل ، والخلية العصبية بشكلها المميّز ينطبق عليها نفس قانون الحماية. ومن بعض عجائب الحمض النووي أنه في كل خليةٍ يصل طول الخيط الجيني إلى مترين ! ملتفةً حول بعضها البعض لتوضع في مكانٍ لا يتجاوز ١٠ مايكرومتر فسبحان الخالق.

اذاً ما الذي سيحدث عندما تتمكن بعض الخلايا من قراءة الكتاب كله ؟! هذه الحالة مُـثـبَـتـةٌ في مختلف أنواع السرطانات التي تخرج عن نظام العضو في جسم الإنسان والنظام الهرموني العصبي ؛ فتجدها خلية مشوهةً جدًا ؛ وتحمل صفاتِ أنواعٍ كثيرةٍ من الخلايا ؛ كالعظم والغضاريف والشعر والجلد والأسنان في مكانٍ واحد. وما الذي سيحدث إن تغير حرفٌ من حروف الكتاب أو جملةٌ أو تكرر بابٌ من أبوابه؟ إذا تغير حرفٌ فهذا يعتمد على مكان الحرف ؛ إن كان في صفحةٍ مهمةٍ تشرح تركيب وصناعة مادةٍ مهمةٍ في جسمنا ؛ فهذا الذي يحدث عند مرضى الأنيميا المنجلية مثلاً (هذا ما يسمى بالطّـفـرة الجينية). وإن كان في صفحةٍ لا تحتوي على معلوماتٍ مهمةٍ فغالبًا لا يحدث شيءٌ . إذا حذفت جملةً فهذا قد يؤدي إلى أنواعٍ كثيرةٍ من السرطانات! أما إذا تكرّر بابٌ كاملٌ ( مثلاً : الباب 21 ) فهذا الذي يحدث عند مرضى متلازمة داون وأمراضٌ وراثيةٌ كثيرةٌ غيرها. ولكن هناك بابٌ مهمٌ مميزٌ عن غيره ؛ وهو الباب الذي يحدد الجنس ذكر أم أنثى. فمثلاً: عمى الألوان ؛ الهيموفيليا والصلع… جميعها أمراضٌ تحصل عندما يتأثر هذا الباب من أبواب الكتاب.

ولكن هنالك سؤالٌ مهمٌّ. ألا توجد طريقةٌ للحفاظ على هذه الكلمات والجمل وحمايتها من الإزالة؟ بلى توجد طريقةٌ ونظامٌ غايةٌ في التعقيد لحماية الشيفرة النووية من العبث والإزالة ، ولكن للأسف مع زيادة المواد المؤكسدة في زماننا ؛ أصبح هذا النظام مثقلاً بمهامٍ جديدةٍ لم يكن متعودًا عليها. فزادت نسبة مرض السرطان وعلى رأسهم سرطان الرئة بسبب التدخين.

ما الذي سيحدث إذا كتبتَ جملةً في صفحةٍ معينةٍ بتكرارٍ معينٍ ؟ مثلاً إذا كتبت الثلاث الحروف CAG أكثر من 36 مرة ، ينتج عن ذلك المرض المعروف باسم داء هنتنغتون في الباب الرابع ( الكروموسوم الرابع ) CAGCAGCAGCAGCAGCAG….. . عالم الجينات والأحماض النووية مليءٌ بالعجائب والمعجزات فسبحان الخالق !

سأختم بمقطع يتحدث عن طريقة قراءة الخلايا لهذا الكتاب العظيم ، وهي باختصار أخذ نسخةٍ أوليةٍ من الكتاب نظرًا لقيمته المهمة ، فلا يمكن إخراجه من مكانه (النواة) ، ومن ثم التعديل في هذه النسخة وحملها الى خارج النواة لتبدأ عملية القراءة من النسخة بواسطة مصانع البروتين في الخلية. مشاهدة ممتعة.

هـَـلْ يـسْـتـحِـــقُّ الـعـَـنـَـاء ؟

لا تحتاج إلى أدلةٍ حيّة أو كاريكاتيرٍ في جريدةٍ لتعرف أنّ الحياة لا ترحم. إذا كنت -عزيزي القارئ- مستقلاً بذاتك حالياً ، فهنيئاً لك ؛ الحياة قد وضعت يدها حول رقبتك ! وإذا كنت ممّن لا يزالون يعيشون تحت سقف أبويهم ، فاعلم أن دورك آتٍ .. ستحمل على أكتافك ما حملوا.

المسؤولية تشبه إلى حدٍّ كبيرٍ شعلة الأولمبياد ؛ يتناقلها عدّاءٌ تلو الآخر. والذي يخوّفنا من المسؤولية هو عواقب إهمالها ، لذلك نحاول التهرّب منها. لكن هذا حلّ الجبناء ، حلٌّ مؤقت! حتى أصغر الطيور تعلم أنه حالما تعلّمت الطيران والصيد ، لن تعود إلى عُشّ أبويها مجددّاً ، بل ستبني عُشّها الخاص وتبدأ حياةً جديدةً.

حتى أصل الكلمة: مسؤول ، مسؤولية .. كلها كلماتٌ جاءت من ” سأل ” لأنك ستُسأل عنها ؛ سواءً من معلّمك في المدرسة ، أبويْك في المنزل ، مديرك في العمل ، أو حتى من ربّ العالمين. كلما عظُم السائل ؛ عظمت المسؤولية ! وكلما زاد المتوكّلين عليك بحمل المسؤولية ، كلما ثقلت على أكتافك ، وزاد المتضررون حين إهمالك لها ! تجد الكثير يتجنب حمل المسؤوليات بشكلٍ يثير الشفقة ، لأنهم لم ينظروا للمسؤولية من منظورٍ مشرق!

الزواج من أجمل الأمثلة على ذلك. فلنفترض أنك ستتزوج الشخص الذي تحب ؛ سيذكّرك كل من حولك بالعبارة المشهورة “الزواج مسؤولية” . هل أنت فعلاً بحاجة للتذكير بذلك؟ طبعاً الزواج مسؤولية! الزواج هي تلك اللحظة التي تحاكي فيها ما فعل ذلك الطير! ومسؤولية بهذا الحجم لا يقدر على حملها -معنوياً- كل من هبّ ودبّ !

لكن أجمل طريقةٍ لحساب هذا الأمر من وجهة نظرٍ إيجابيةٍ هي طريقة الميزان. ضع ميزاناً خيالياً أمام عينيك ، وضع في الكفّة الأولى كل المسؤوليات التي سيجلبها لك هذا الزواج ؛ كل شيء! ما بين منزل ٍ، وفواتيرٍ، ومؤونة ٍ، وتنظيفٍ ، وقوتِ اليوم ، ومواعيدٍ في المستشفيات وزياراتٍ للبنوك ومغامراتٍ للدوائر الحكومية ، وكل ما يُؤرّق منامك.

وضع في الكفّة الثانية السعادة التي تأتيك من شريك أو شريكة حياتك. الشعور الغامر بالدفء والمحبة الذي لا يستطيع أحدٌ توفيره غيرهم. الأمان الذي يأتيك حين تعود إليهم بعد غياب. المودّة التي لا تنطفئ. حينها، سترى أي كفّةٍ سترجح ، وسترى أن المسؤولية هي الثمن البسيط الذي تدفعه لقاء هذه الرابطة التي تربطك بنصفك الآخر وتملأك بالفرح ، والتي لو لم تكن أغلى من أيّ ثمنٍ ، لما جعلها الله تستمر إلى الآخرة.

وقس على ذلك! هذا الميزان لا يخطئ. ضع المسؤوليات في كفةٍ ، والشيء الذي تتحمل هذه المسؤولية لأجله في الكفة الأخرى واسأل نفسك: “هل هذا يستحق مني كل هذا العناء؟”