كــيـفَ تـتــمَـــتــَّـــعُ بِـبـُــؤسِـــك !

انتشرت في أيامنا هذه حالةُ اليأْسِ من كثرةِ المشاكل والقضايا النفسيّةِ والأسرية الخاصّة حتى على نطاق الصّداقة ، فتجد هذا يعمل بألمه ، وتلك تدرس ببُؤسِها ، وهذا يتمشّى بحُزنه ، فباتَ العالم والناس والمجتمع يدورون بدوامةٍ تعيسةٍ ، وبحقبةٍ زمنيةٍ سوداءَ من العذاب اللّامنقطع. حتى تصل لدرجة أن البعض يريد حُـكـمَـاً مـُحـَـلّلاً للانتحار .. ولو وجده لفعل!! ما أريده منك عزيزي المبـتـئـِس الـمُـنـكَـسِر أن تُعطِنِي كامل انتباهك وتغلق عينيك عمّا حول الشاشة للحظات. نعم. ابقَ لوحِدك قليلاً مع بعض السطور القادمة.

إن التّـأمُّـل عبادةٌ ربانيةٌ ؛ أمرنا ربُّ العزَّةِ والجلالات من فوق سبعِ السّماوات بالتأمّلِ في خلقه وملكوت صنعه ، إن التّـأمُّـل رياضةٌ روحيةٌ ، تصفيةٌ ذهنيةٌ ، وسرٌّ للطاقة البشرية ، فبالتأكيد أنك شاهدت أحد فنون القتال كالنينجا والكونغفو وغيرها في أحد الأفلام ؛ ستجدُ أن تدريبهم الأوّل هو القدرة على التّـأمُّـل والاسترخاء ، والجلوس تحت الشلالات وأعالي المرتفعات للعديد من الساعات. وكل هذا لجمْع الطاقة الدفينة بداخلك ؛ وتوجيهها كما تريد. إن المتأملين بعظمة الكون أسلموا ؛ والمتأملين بغرائب الطبيعة اخترعوا ؛ إن الاستشعار والتّـأمُّـل قوىً خارقةٌ للروح البشرية لا يدركها إلا من جربها.

عندما تعيش حالةً من البؤس والانكسار أريدك أن تستمتع بكل لحظة فيهم .. أن تتأمُّـل كل متعةٍ فيها. نعم تـمَـتّـع بـبـُـؤسِـك !! واستشعر هذا الانكسار بكل جوارحك !! خـُذ نفساً عميقًا وأعلم أنك تعلم أنك في حالٍ من اليأس ، استشعر مكانك الذي أنت فيه ، استشعر الأثاث الذي حولك ، استشعر الأرض التي تحتك ، ركّز في نفسك وبداخلك .. استشعر أنفاسك الآن ، ركّز في ذاتك ، راقب الأشياء التي حولك ، راقب تساقط الأوراق ، انتبه لتوزيع الإضاءة حولك ، استمع للأصوات كلاً على حدة ، واستشعر الوقت ! نعم أنت تعلم الآن أن عاطفتك محطّمة ، وأنت الذي تقوم بذلك ! تأمّـل قليلاً..وامتلك نفسك ، اطرُد كُرهك وغضبك وحزنك ، ابتسمْ وتفاءلْ ؛ فما زال كلُّ شيءٍ تحت السيطرة.

عندما تتحدث مع أصدقائك ؛ استمتع بالحديث معهم ، استمتع فعليًا بذلك ، ركّز في كلماتك ، اضحك بصوتك ، لا تفكر في مصائبك وماضيك ولا مستقبلك ، عطِّل ذاكرتك ، خُذْ نفسًا عميقًـا مرةً أخرى وانسَ  وتناسى إن لم تستطع ؛ فسوف تنتقل تلك التي تتناسها إلى النسيان تلقائيًا مع التدريب المتواصل. عندما تغفو على فراشك ؛ تـأمَّـل الراحة ، استشعر الهدوء والظلام الذي حولك ، وتحسًّس الفراش الوفير الذي تحتك. عِشْ بحلمٍ ، عِشْ بقوةٍ وأملْ  ، فكّر بعقلك ، واترك عاطفتك قليلا ً.واستحضر الإيجابيات ! فعقولنا اللّاواعية ترسم السواد لنا بغير إرادتنا ونحن من نريد لها ذلك ! كيف؟

ركّز معي الآن .. واقرأ الجملة التالية : “لا تفكّر في سيارةٍ حمراء ، لا تفكّر في سيارةٍ حمراء” قُلْ لي ما الذي خطر ببالك ؟ نعم. لا تستغرب ذلك ! إن أوّل ما خطرَ على بالك هي سيارةٌ حمراءُ بغض النظر عن نوعها. حيث لا تستطيع التحكّم بعقلك اللْاواعي فهو يُفكّر كما تريد دونما إرادتك !

فلنجرّب تمرينًا آخر : تخيّل معِي أننا نريد عمل إعلانٍ لمنتج ٍما ، وذهبنا لزبونٍ معينٍ وقلنا له : “نحن لا نسرقك ، نحن لسنا شركةً نصًابة!!” وذهبنا لآخرِ وقلنا له : “نحن شركةٌ متميزةٌ وصادقةٌ نقدّم خدماتنا بكلِّ أمانةٍ” .. هناك فرق ! رُغم أنّ المغزى والمعنى واحدٌ ؛ وهو أنها شركة تقدّم خدماتها بشكلٍ صادقٍ وأمينٍ.

لا تعِش بفوضى. رتّب حياتك ولا تجعل منها ورشةً ! فهنالك الوقت للأكل ، لا تشاهد التلفاز وأنت تأكل! فهذا وقت الأكل ، دعْ جسمك يتمتّع بوجبته ، وتلذَّذ بالطعام الذي تأكله. عندما تصلّي ؛ ركّز في صلاتك ودعْ روحك تتمتّع بغذائها ، عندما تسير بالسيارة تـأمَّـل الطريق واستشعر القيادة ، استشعر البيئة التي حولك ؛ في السيارات التي تسير بجوارك؛ ستجد نفسك تريد القيادة بشكلٍ أشدَّ حذرًا وأكثر انتظامًا ، عندما تسمتع إلى الصوتيات بكل أنواعها اسمعها بكل جوارحك ، ركّز في كل شيءٍ فيها ، استطعِمِ النغم وعِش اللحظة ! ولا تفعل شيئًا آخر وقتها حتى لا تعيش في الوهم !

حوّل من معاناتك لعبادة ، اصبرْ واشكرْ وتوكّلْ ، استشعر عذاب الدنيا وقارنه بروعة الجنة ، استمتع بإنجازاتك وقدراتك ، فوصولك لهذا السطر إنجازٌ ، افخر به وواصل المسير . لقد انهيت دراسة السنة الماضية بغضِّ النظر عن نتائجها فلقد أنهيتها ونجحت!

منّا من يستطيع الضحك ، ومنا من يكثر البكاء ! حتى يا من تبكي ؛ تمتّع ببكائك. إنّ من يبكي؛ هو يريد ذلك. واسأل من جرب البكاء وكيف هي الراحة بذلك. لا تتهاون في إنزال دموعك عندما تناديك، تمتع بها، واستشعر طعمها حتى عند أشدّ المصائب!

يتقشعر البعض من الروتين ؛ لعدم تذوّق طعمِ الحياة ، لو استيقظت في صباحك وأنت تستشعر أشعة الشمس ، وتأملت قدرة الخالق كل يوم ، وتمتّعت بوجبة إفطارك ، وكيف هي كانت لك ولم تكن لخيالك ، لجعلت من الرّوتين أمراً خارقاً!

إن البعض يقضي الأوقات الطوال على شاشات التلفاز ، والبعض على شاشات الحواسيب ، ومنا من لم ترهقه قطٌّ مسيرة الشوارع ! هل سألت نفسك لماذا أنت قد لا تطيقُ أحدها ولو بشغلٍ طارئ؟ إنّ كلَّ من يفعل هذه الأعمال يعيشها بلذّتها واستشعارٍ كاملٍ بمتعتها فكيف تفرق بين المُحِبِّ ومن يحبُّ بشتّى الطرائق !

عند مواجهة المشاكل والمصائب ، عندما يستفزك رجلٌ شاردٌ ، أو امرأةٌ على طارئ !  قف قليلاً .. تمهّلْ .. استشعر وتأمّل .. لا تغضب .. تكفيك هذه الحكمة .. فمهما تصرفت بعدها سيكون أفضل مما قد يكون قبل ذلك !عند دراستك وأداء عملك ركّز فيها وابتعد عن الشوارد .. فعقلك قويٌّ بما يكفي لتجاوز هذه المرحلة ، وستجِدُ العجب والعجائب !

اجعلْ من ألمك لذةً .. فما ألذَّ عذاب المتعةِ ومتعة اللّذةِ .. فيا ترى هل هناك من معتبرٌ وسامع ؟ وتذكّر ..كلما ازددت تمتعاً بالانكسار.. ازددْتَ متعةً بالانتصار.



28 رأي على “كــيـفَ تـتــمَـــتــَّـــعُ بِـبـُــؤسِـــك !”

  1. كتابة مثل هذه تُعد انفجارً في قاموس اللغة تحدث هيجانًا في الضمير

    كان يدور في رأسي كلام كثير عن التأثيرات التي حدث لي بمجرد قراءة ماكتبت
    لكنني اكتشفت بأن كلامي ليس له قيمة ..فالانبهار بهكذا كتابة يعد شيئًا طبيعيًا وروتينيًا

    احييك على كل كلمة خُطت هنا

    وأتمنى أن تتحفنا دائمًا بمقال اجتماعي يغسل قلوبنا :]

    تحيتي

  2. ليس عادلا ان اصف ما كتبت بالكلمات
    ولكن سأكتفي بمسح دمعة تاثري بجمال أحرفك
    كلمات دقت ابواب القلوب……

  3. ماشاء الله ..رائعــه مدونتك
    شدني فيها حديثك عن التأمل.., من لطيف ماقرأت أن التأمل رياضه الانبياء..الايات المقروءه في القران تدعونا الى التأمل ..افلم ينظروا ؟ أفلم يروا؟ (وفي أنفسكم افلا تبصرون)..التأمل عباده داله على وجود الله, من خلال ايات الله المنظوره “كالكون ومافيه من حياه” ..علم التأمل يستفيد منه الجميع الأمي والقارئ
    نعود للمقاله =) .. راقت لي فكره ان نستمتع بكل لحظه نعيشها حزينةً كانت ام سعيده,
    وايضاً ترتيـــب الحياه <_ معنى رااااائع جدا
    ++مابقيت شي مالفت نظريD: وماشاء الله حتى القطه مستمتعه ^_^”
    شكرا واعتذر على الإطاله $:

    1. شكراً لك من الأعماق .. أتمنى أن تكون شعلة أملٍ في حياتك .. وكم أتمنى أن نتخلص من الروتين القاتل..
      أسعدني ردك .. ولفتت انتباهي ملاحظاتك ..
      عفواً .. 🙂

  4. جميلٌ جداً .. ومُلفِتٌ جداً وائل ..~
    البؤس والحزُن .. وحدَهُ القلب من يختارُ أوقاتها ! لكن من حسُنِ حظّنا أن هذا القلب رغمَ انفلاتِه وتقلُّبه ؛ في قدرةِ الإنسانِ توجيهَهُ والتحكمَ بهِ !

    هل فعلاً نملكُ الحريّة المطلقة في قراراتِ قلوبنا ..؟ الإجابة على هذا السؤال تشبه الإجابة على سؤال: هل أستطيعُ أن أكونَ الأول في مدرستي ؟

    جوابُ هذا وذاكَ: نعم! اذا كان عندك الاستعدادُ التامُّ للمواجهة.. وتملِكُ الوعي بالمؤثرات والضغوطات التي ستواجهَك ! وقبلَ كلَّ ذاك؛ إرادةٌ قويَّة في هذا الذي تطلُب !

    تلك الضغوطات والمؤثّرات، كم نضلُّ في سبيل البحث عن طرق مواجهتها ! حسناً .. أسجِّلُ هنا أن مقالَكَ وائلٌ يفتحُ الباب لمواجهتها بسلاح قوي ومؤثّر .. هذا الذي اسمُه: التأمُّل ! واحيانا أطلقتَ عليه: الاستشعار ! هذا الذي جعلَ الإنسانَ يتصلُ من خلالِ الطبيعة بما وراء الطبيعة، ومن خلالِ الجسدِ إلى خفايا الروح، ومن جمادِ الكون إلى أسرارِ الوجود ! .. ومن عذاب الألَم إلى جنة الصبر واليقين إن كان مؤمنا .. ومن عذاب الألَم إلى لذّة القلق المعرفي إن لم يكُن مؤمناً ..! – والمؤمنُ أسعَدَهُم بلا شك!

    كنت أرى في أول قراءتي للمقال أن فيهِ النظرة الإيجابيّة المُطلَقة للكونِ والحياة والشعارات التطويريّة المعروفة، وأنا لا تعجبني هذه النظرة لأني أؤمنُ أنها مخبوءة بالكثيرِ من الحزن والسلبيّة تمثّلت في ردّة الفعل المتحمّسة الشديدة تجاهها ..! لكنَّ بعض المقاطع هنا -بعضُها- غيّرت هذا الانطباع كقولَك ( لا تتهاون في إنزال دموعك عندما تناديك ) ، أؤمنُ بـ(التناسي والتجاهل) كحل مؤقّت، لا كحل دائم ولا كفسلفة يُتعامَل بها مع الألَم يوجّهها فيلسوفها وينظّر لها كما ينظّر لمشاريعه!

    باختصار وائل .. أحسنتَ .. واستمتعتُ كثيراً بالقراءةِ هنا، أكوامٌ من الشكرِ تغمرُكَ يا عزيزي .. لكَ محبة لا تنقطِع، قد يفسّرها لجوئي إلى الصّمت أمامَكَ دائماً !

    1. أهلاً بك عزيزي مهند ..
      أسعدني تحليلك لمقالي هنا ..
      بين لي تركيبة الطريقة التي تفكر بها .. وماهية المؤثرات بحياتك ..
      استشعر السعادة دوماً بحياتك .. فأن لم تجدها .. اصنعها بنفسك ..

      شكراً لك عزيزي .. لي الشرف بذلك .. أكوامٌ من تقديري لكلماتك هنا ..
      لو خُيرت .. لاخترت تعليقك الأفضل هنا ..

      تحيتي لروحك ..

  5. احسنت انا ارد وانا قرأت بسرعه للمقاله ولكن وقفت قليلا عند الردود لاحظت ان معظم الناس يقفون امام الحياه وكأنها خالده وانها لن تنقطع ةان معظم النوايا والله اعلم للدنيا وتشييدها لدرجة ان معظم اللذين اعرفه لايستطيع توجيه تركيزه وحتى وهو مع ابنائه في البيت واعتقد ان الروتين هو اهم اسباب هذا البؤس الذي ينتج عن انعدام في استشعار الفرد بمن حوله او التركيز (التواصل)لأن التركيزعمليه اراديه لكن في النهايه يحتاج الانسان الى تصفيه لما في ذهنه من وترتيب لللأفكار اولا ثم بالنفس وتقبل الواقع ايا كان فهو في النهايه نحن جزءا منه وهو جزءا منا وهناك مايسمى بـ(الفراغ الفكري) ارجو من احد الكاتبين ان يثرينا بمعلموت عنه ولعلك اخي وائل تبحث عن ذالك لأننا بانتظار جديدك ….وشكرااا

    1. شكراً عزيزي محمد لملاحظاتك ..
      فعلاً .. هي مسيرة مؤقتة لمصير الخلود الآخروي ..
      سأعمل على ذلك بإذن الله .. وشكراً على نصيحتك ..
      وترقب الموضوع ان شاء الله ..
      عفووًا ..

  6. انا تعبت ببعض مراحل حياتي الأخيرة
    أو بالأصح وبالصريح أنا أعيش هذا البؤس في الآونة الأخيرة

    لكن هذه السطور …. ما اعرف ايش اعبر
    احس انها لمست شئ بداخلي كبير وخلتني أكثر ادراك

    دكتور وائل شكرا شكرا شكرا على هذه السطور
    وتخيل دورك الكبير الآن بتغيير حياتي للأفضل باذن الله

    أنا من اليوم سأكون متابع لك ^__^

  7. انا عاده استشعر كل شيء من حولي وانظر الى جماله حتى لوكانت اشياء سخيفة مع ذلك استمتع لانني اقنع نفسي دوما ان الشخص الوحيد المسوول عن سعادتك هو انت وانصحكم بقراءة كتب غيرت حياتي/
    1/استمتع بحياتك للدكتور العريفي وبه مواقف مضحكه جدا.
    2/افتح النافذه ثمة ضوء لخالد المنيف.
    3/فلم السر افضل من الكتاب السر.
    4/50 شمعه لانارة دروبك او حياتك نسيت والله بس للدكتور عبد الكريم بكار وطبعا هذا اكثر شيء استفدت منه

  8. اوافق المقالة 100% .. أود ذكر تجربة حصلت لي في بعض الايام اذهب إلى الجامعة مبكراً قبل موعد محاضرتي بساعتين في بداية الأمر كنت اشعر بالضجر من هذا الروتين الممل .. غيرت نظرتي وفكرتي بشكل إيجابي
    أصبحت الساعتين من أفضل ساعات يومي أستمتع فيه بالتأمل في من حولي وفوقي خصوصا أن الوقت يكون في بداية الصباح القهوة التي اشربها دائما أصبحت لذتها أفضل خلال هذه الساعتين ..
    من خلال هذه التجربة أمنت بما قيل في هذه الصفحة
    شكرا لك ..

  9. حلو ,, بس و الله يا وائل البؤس مسيطر علينا و مكتـر ,,

    و للأسف ما عم نقدر نتغلب عليه ,,

    ومتل ما قلت ,, ، وتلك تدرس ببُؤسها ,, (( مجبوريـن

    بس في رب كبير معنـا ع طول ,,

    الله يقوينا و يصبرنا و يصبر الجميـع

    ميرسي وائـل الله يعطيك مليار عافيي ,,

التعليقات مغلقة.