هَـلْ تـرْغـَــبُ فِــي الانـتـِـحَـــــار ؟

فكر لمدة دقيقة ، هل ترغب في الانتحار؟ هل وقفت على حافة الهاوية وقررت أن ترمي بنفسك ؟ هل أمسكت بسكينٍ وضعتها قرب قلبك؟ هل أخرجت الأدوية وقررت تناولها دفعةً واحدة؟ هل أمسكت بشيءٍ حادٍّ وقررت أن تقطع عِرق يَدِك المتصل بقلبك؟ هل وقفت أمام حبلٍ علقته في السقف؟

هل قررت حقاً أن تنهي حياتك؟ أتعجّب عندما أسمع شخصًا حاول الانتحار! هل تعتقد أيها المنتحر إن حياتك تنتهي هنا عند هذا الوقت والمكان؟ هل تعتقد أنك ستشعر بالراحة وستنتهي كل مشاكلك هنا؟ بل قل ستبدأ أكبر مصائبك هنا. لأنك أخذت أقصر طريق إلى جهنم! نعم. أقصر طريق ؛ لقد وفّرت كل مَجَاهِيد الشيطان ، لأنه بوسوسةٍ واحدةٍ أرسلك إلى جهنم.

إعرف دائماً و أبدأ أن حياتك ليست ملكاً لك ، إن حياتك وروحك مملوكتان  لخالقها ، وأيضًا ملكٌ لمن يحبونك ويعيشون  ليروا ابتسامتك! ستقول أنك لا تملك هؤلاء الاشخاص ، قد يكونون موجودين وأنت لا تعلم بوجودهم ، وقد يكونوا لم يأتوا بعد ، لكن اعلم أنه لم يولد شخص مكروهٌ أو لايطاق ، ولم يولد شخصٌ محبوبٌ من الجميع ، فكر دائماً ان حالك ليست الأسوء. طُرِدْتَ من عملك؟ هناك من لم يعمل منذ شهر ، مات أحد أحبابك؟ هناك من وُلد يتيمًا بدون أحباب ، لم تجد قوت يومك؟ هناك من لم يأكل منذ أيام ، أهان أحدهم أصلك هناك من ولد بدون أصل! فكر لمدة دقيقة ماذا فعلت روحك لتنهي حياتها ؟ ماذا أجرم من يحبك لتحرمه من أكثر شخص يحبه؟ ما الذي فعله والديك لكي تحرق قلوبهم على فلذة أكبادهم؟ هل تعتقد أنك ستجد الراحة؟ هل تعتقد أنك ستهرب من كل شيء؟

في الدنيا كان هناك من يساعدك على تخطي أزماتك ، في القبر بين التراب و الديدان هل هناك من سيساعدك؟ هناك عملك الصالح فقط ! عُدْ وفكّر لمدة دقيقة ، هل عملت من العمل الصالح في حياتك كلها ما يكفي لكي يغفر لك رب العباد جريمتك الشنعاء؟ دائماً تعلم في حياتك التفكير بإيجابية ، وانظر إلى الجانب المشرق حتى إن لم يوجد ؛ ابتدع واحدًا بخيالك!  فكّر في أجمل شيء حصل في حياتك ؛ في أكثر شخصٍ تحبه ؛ في أكثر مكانٍ ترتاح فيه ؛ في ألذِّ وجبةٍ أكلتها ، أحسن الظن بالله ولا تقنط من رحمة الرحمن ، إن لم يكن اليوم ربما غداً ، وإن لم يكن غداً فلربما بعده ، فقط آمن واعلم أنها ستفرج وآمن دائماً بأنه لا مستحيل ولا تيأس ؛ فإنه لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة.

“طـَـريـقُ الــعَــقـْــلِ الــمُـــزْدَوج”

عندما تُبنى مبادئنا على أسس ضعيفة وهشة، فإنها سرعان ما تتهاوى أمام أضعف العقبات، فنلجأ “لا شعوريا” إلى مناقضة مبادئنا كي نتجاوز هذه العقبات، ومع الوقت والتكرار، يصبح التناقض منهجاً لتفكيرنا في كل شيء، حتى تصبح عقولنا كالطرق السريعة المزدوجة، ذات اتجاهين!

كنتُ حاضراً في أحدِ المجالس ، استمع مع الحاضرين إلى صحفيٍّ قديرٍ ، وهو يحكي معاناة الشباب والفتيات مع القبول في الجامعات ، وسرد لنا قصّته ومعاناته الخاصة ، مع ابنه المتخرّج حديثاً من الثانوية ، بنسبةٍ لا تؤهله للقبول في تخصّصٍ  مناسبٍ ، ويتابع الرجل بمرارةِ أبٍ مخلصٍ ، ممزوجةً مع فخرٍ صحفيٍّ نافذٍ ، كيف لجأ إلى معارفه من النافذين في سلْكِ التعليم العالي ، وكيف تفاجأ وهو في مكتبِ “طويل العمر” ، أن هناك الكثير ممن يعرفهم شخصياً من “قِصار العمر” ، قد سبقوه وهم يترجّون ويتذلّلون من أجْلِ توقيعٍ أو مكالمةٍ ، تضع أبناءهم وبناتهم في قائمة “مستقبلٌ مضمون” الحصرية. لكن صاحبنا وبسبب مكانته الاجتماعية المرموقة ، حظيَ باهتمام المسؤول ، ولم يرمَ في طابور الرِّعاع المُمتدِّ من باب المكتب إلى نهاية الشارع ، ولم يكد يَطَأُ بقدمه “المرموقة” خارجاً ، إلا وسلسلة اتصالاتٍ خاطفةٍ ، تأخذ طريقها إلى مكاتب الجامعة ، حاملةً الأوامر العاجلة ، بقبول ابن فلانٍ في الكلية التي يرغبها.

ما زلت أتأمل في الصحفيِّ القدير ، مبهوراً من نفُوذه ، مُعجباً بأبويّته ، مُندهشاً من أسلوب كلامه ، ومحتقراً لذمّته! ، وهو يرتشِفُ الشاي ليرطِّب حُنجرته المهمّة ، ويتابعَ حديثه بشغفٍ عن النّظام الجامعي البالِي ، وكيف أنّه لا يعدِل بين المتقدّمين ، ولا يُراعي الفروقات الفردية! ، وكان أرشيف عقلي يسترجعُ مقالاً قوياً قرأته ذات مرةٍ عن مساوئ الواسطة في مجتمعنا ، وأنها بلاءٌ وسببٌ للتخلّف والرجعية ، ولم يكن كاتب المقالة القويّة ، إلا الصحفيَّ ذو الحنجرة الذهبيّة ، صاحب الواسطة والمكانة الاجتماعية! ، تذكرت ذلك بينما يحاول جاهداً –بموهبته الانتقاديّة الفطرية- أن ينال من نظام التعليم بشتّى الوسائل ، سارداً قائمةً طويلةً من العيوب والمشاكل ، والتي واجهها التعليم قبل عقودٍ من الزّمن! ، وعندما شعر بأن قائمته شارفتْ على الانتهاء ، انطلق يسبح في عالم النّقد والتحليل ، ليهاجم النظام الصحيّ والسّكنيّ والبلديّ والعمّاليّ والتقاعديّ في نَفَسٍ لاهِث ، وسيلٍ لا ينقطع من الكلمات المتتابعة بدون فواصل ، حتى لا يترك مجالاً لأيٍّ من الحاضرين ، ليتذكّر ما كان قدْ كتبه عن الواسطة ، ثمّ كيف استعان بها الآن ، فيتجرَّأ ويطرحها للنقاش أمامه.

الإزدواجيّة والتناقض ، أبرزُ السِّمات الفكرية لمجتمعنا المُعاصر ، في أيِّ قضيةٍ نُواجهها ، وكيفما حاولنا تحليلها وفهمها ، سنرغِم أنفسنا على اللّجوء إلى الإزدواجيّة ومناقضة آرائنا ومبادئنا ، لنخلص أنفسنا من مأزقٍ الإقرار بحقّ الآخرين ، أو مذلة الاعتراف بخطئِنا ، وفي بعض الحالات ، عندما نواجه ما يخالف مبادئنا ، فنلْجأ إلى التّحايل عليها ونقضها ، أو “نزّْدَوِج” لمجرّد اتّباع الهوى وتقديم مصلحتنا الشخصية على الغير ، فنُعاتب الآخرين على خطأٍ قد نرتكبه بأنفسنا يوماً ما ، وبدل الاعتراف به ، نحاول أن نبرّره قدرَ الإمكان ، بصورةٍ تجعل العذْرَ يُبرِّر الخطأ لنا ، لكنه لا يُبرِّرُ نفس الخطأ للآخرين!

قيادة السيارة على سبيل المثال ، فالسائق يغضب ويسبّ ويلعَن ، لمجرد أن شخصاً تعدّى أو “سقط” على مساره فجأةً ، وبعد دقائق قليلةٍ لا ترى إلا نفس السّائق وقد سقط على عرْض الطريق بكامله ، وعندما تواجهه بأنانيته ومناقضته لنفسه ، يردُّ عليك بثقةٍ عجيبةٍ بأن هذا “عُرْفُ الطريق”! ، وهو ليس بعُرّفٍ نزل من السماء ، أو كتبه الحكماء والعقلاء ، بل هو كتابٌ مفتوحٌ ، يضعُ فيه أيّ سائقٍ همجيٍّ قانونه الخاص والمريح لمزاجه ، وله الحقّ أن يغيّره كيفما شاء ، متى ما رأى مصلحته تعارضت مع ما كتبه بنفسه ، فيصِف سقوطه الحرَّ بأنّه شرعيٌّ ، بسبب وضعية الطريق وزاوية الالتفاف ، بينما “سقطة” الآخر جريمةٌ قذرةٌ ، بسبب حالة الزحام واتجاه الرياح!

ومن مظاهر التّناقض العجيبة ، عندما نرفض دائماً أن يتقدّم أحدٌ علينا في صفِّ الانتظار ، لكننا نتحيَّن الفرص ونكيدُ المكائد ، لأجل أن نقفز في الصفِّ مرتين أو أكثر للأمام ، وإذا ما كنا عاطلين عن العمل ، طالبنا بتخفيض رواتب الموظفين المرتفعة حتى نجد لأنفسنا وغيرنا من العاطلين وظائفًا ، ومتى ما شعرنا باستقرار الكرسيّ تحتنا ، طالبنا بزيادة الرواتب ، والعجب كل العجب عندما تشاهد شخصاً جاهلاً يخبره الطبيب بنجاح العملية ، فيُغرِقه بالمديح والثناء ، وأنه أفضل الأطباء ، وعندما تسوء حالته بعد ذلك ، يصفه بالطبيب الفاشل ، وأنه بإجراء الجراحات جاهل!

ولم يَسْلِم الدين ، وهو الذي قام على سلامة العقيدة ، وحسن النية ، وإخلاص العمل ، لم يسلمْ من تناقضات قلةٍ من أتباعه ، فنجد بينهم من يدرّس الشريعة لأغراضٍ دنيويةٍ ، فيُتقلّد بها المناصب ، ويحصل على الأموال والنفوذ ، وبعضٌ آخر يتخبط في الفتوى ، فيحرّم شيئاً ، ويسارع إلى تحليله بعد فترةٍ قصيرةٍ ، أو أن يُحرّم عملاً لسببٍ ما ، ويحلل آخر وهو فيه من السبب نفسه. قد تكون هذه التناقضات المنسوبة زوراً إلى الدّين من أخطر التناقضات الفكرية ، لكنها من جهة أخرى ، تواجه مقاومةً عنيفةً من العلماء ، ذَوِي العلم الواسع ، والعقل المتفتّح الواعي ، ممّا قللّ خطر أدْعياء التدين ، وحجّم من انتشار فكرهم.

أما في الجانب الآخر من المجتمع ، نجد الشباب الطائش والفارغ داخلياً ، المشوش فكرياً ، والمنحرف أخلاقياً ، والذي لا يجد ما يشغل وقته إلا التعرف على أكثر عددٍ من الفتيات ، ومواعدة أجمل الجميلات ، وارتكاب أعظم الفواحش والمنكرات ، ومن ثم يمشي متبختراً ، أمام أقرانه من الفاسدين والفاسدات ، متفاخراً بعشيقاته ، وكأنهن أوسمة شرفٍ على صدره المريض بالآفات ، وإذا ما جاءه أهل الفتاة ، غاضبين ثائرين للعِرضِ وشرف العائلات ، لم يُلْقِ لهم بالاً ، بل ربما عاندهم وفضح صور بناتهم في المنتديات ، لكن عندما يفاجأ يوماً بشابِّ طائشِ مثله ، فعل بأخته مثلما فعل هو في البنات ، فإنه يهيج كثور طار عقله ، ويهدّد بالقتل والانتقام والويْلات ، يدّعي الرجولة والحميّة! وهو الذي انتهك الحرمات ، يدّعي حقّ الانتقام للشرف والعرض! وهو من باعهما بأقل الريالات ، وها قد جاء موعد الدفع ، وتصفية الحسابات ، فلم الغضب؟ وهل انتهاك العِرْض لك مشروعٌ ، وعلى غيرك من المحرمات؟ أم يَحرُم على غيرك الانتقام ، وهو لك من المباحات ؟ِ

إن ازدواجيتنا وأنانيةَ تفكيرنا تخطّت بيئتنا المحلية ، وأصبح يعاني منها شعوب الأرض ، فعندما نسافر إلى بلاد الله الواسعة ، نحتقر أصحاب الأرض ونهينهم في بلدهم وبين أهلهم ، لكن عندما يقدِمُون إلينا ضيوفاً للرحمن ، حُجّاجاً لبيتِ الله الحرام ، نُعاملهم بترفعِ وكبرياءِ ، وكأنهم بشرٌ من الدرجة الثانية ، نقول أننا مسلمين والإسلام دين العدل والمساواة بين القبائل والشعوب ، وفي ذات الوقت نحتقر العمالة الوافدة ، ونقلل من قيمة جيراننا من الشعوب ، ونبغض من أصوله ليست بـ”قبلية”! ، بل نُعادي حتى القبائل الأخرى ، في تجسيدٍ واضحٍ لمبدأ العنصرية الجاهلية النّتنة.

كل هذه التناقضات الفكرية العنيفة ، ما هي إلا خللٌ في طريقة العقل في تحليل وحلّ المشكلات ، ليس لها سببٌ معينٌ ، وليست محصورةً بمكانٍ أو زمنٍ أو فئةٍ عمريةٍ محددةٍ ، بل هي نتاج خليطٍ معقد من عادات اجتماعية سلبية ، وتراثٍ حضاريٍّ مشوّه ، وحقبةٍ تاريخيةٍ منعزلةٍ ، اصْطَدَم ذلك كله بتعقيدات العصر الحديث ، ووتيرته المتسارعة ، وتياراته الفكرية المتنوعة ، وبين هذين العالمين المختلفين ، احتارت عقولنا أيَّ طريقٍ تسلك؟ وفي ظلّ انعدام الموجّه والدليل ، انصَعنا لحكمِ الأهواء ، فمتى ما وجدنا مصلحتنا مع التقدم والحداثة سلكنا طريقها ، ومتى كانت منفعتنا في التمسك بإرثِ الأجداد قفلنا راجعين إلى طريقهم! وهكذا لم يقوى المجتمع على اللّحاق بركب الحضارة وسفينة العولمة ، فبقينا متخلفين على برِّ الماضي ، واقفين على أطلال مجدٍ زائلٍ ، فلا أعدنا بناءه من جديد ، ولا تركنا رياح الحداثة تأخذ مجراها.

عندما نُزيل رمال الجهل المتراكمة ، ونرفع أحجار الخرافات والأساطير ، عن سرِّ العظمة والمجد القديم ، عن نبْع الإسلام الصّافي ، الخالي من التشدّد والبدع والأهواء ، ثم نحسب متغيرات العصر ونضيف إليه متطلباته ، في بساطةٍ وتناغمٍ وتكاملٍ ، تجعل من معالم الطريق واضحةً أمام عقولنا ، فلا تجد صعوبةٍ في رؤية العقبات على حقيقتها ، وتحليلها ثم “تجاوزها” إلى الأمام بما تملكه من الأدوات ، المصنوعة من مبادئ الإسلام ومتغيرات الزمان ، بدل أن نضطّر إلى “تغيير” وجهتنا إلى الوراء ، وبهذا لن تكون حلول العقل متناقضةً يعاكس بعضها بعضاً ، ولن تجد الأنانية طريقاً إلى أدوات عقولنا ، فنسمو بفكرنا فوق كل ازدواجيةٍ وتناقضٍ ، مهما كانت دوافعها.

هـَـلْ يـسْـتـحِـــقُّ الـعـَـنـَـاء ؟

لا تحتاج إلى أدلةٍ حيّة أو كاريكاتيرٍ في جريدةٍ لتعرف أنّ الحياة لا ترحم. إذا كنت -عزيزي القارئ- مستقلاً بذاتك حالياً ، فهنيئاً لك ؛ الحياة قد وضعت يدها حول رقبتك ! وإذا كنت ممّن لا يزالون يعيشون تحت سقف أبويهم ، فاعلم أن دورك آتٍ .. ستحمل على أكتافك ما حملوا.

المسؤولية تشبه إلى حدٍّ كبيرٍ شعلة الأولمبياد ؛ يتناقلها عدّاءٌ تلو الآخر. والذي يخوّفنا من المسؤولية هو عواقب إهمالها ، لذلك نحاول التهرّب منها. لكن هذا حلّ الجبناء ، حلٌّ مؤقت! حتى أصغر الطيور تعلم أنه حالما تعلّمت الطيران والصيد ، لن تعود إلى عُشّ أبويها مجددّاً ، بل ستبني عُشّها الخاص وتبدأ حياةً جديدةً.

حتى أصل الكلمة: مسؤول ، مسؤولية .. كلها كلماتٌ جاءت من ” سأل ” لأنك ستُسأل عنها ؛ سواءً من معلّمك في المدرسة ، أبويْك في المنزل ، مديرك في العمل ، أو حتى من ربّ العالمين. كلما عظُم السائل ؛ عظمت المسؤولية ! وكلما زاد المتوكّلين عليك بحمل المسؤولية ، كلما ثقلت على أكتافك ، وزاد المتضررون حين إهمالك لها ! تجد الكثير يتجنب حمل المسؤوليات بشكلٍ يثير الشفقة ، لأنهم لم ينظروا للمسؤولية من منظورٍ مشرق!

الزواج من أجمل الأمثلة على ذلك. فلنفترض أنك ستتزوج الشخص الذي تحب ؛ سيذكّرك كل من حولك بالعبارة المشهورة “الزواج مسؤولية” . هل أنت فعلاً بحاجة للتذكير بذلك؟ طبعاً الزواج مسؤولية! الزواج هي تلك اللحظة التي تحاكي فيها ما فعل ذلك الطير! ومسؤولية بهذا الحجم لا يقدر على حملها -معنوياً- كل من هبّ ودبّ !

لكن أجمل طريقةٍ لحساب هذا الأمر من وجهة نظرٍ إيجابيةٍ هي طريقة الميزان. ضع ميزاناً خيالياً أمام عينيك ، وضع في الكفّة الأولى كل المسؤوليات التي سيجلبها لك هذا الزواج ؛ كل شيء! ما بين منزل ٍ، وفواتيرٍ، ومؤونة ٍ، وتنظيفٍ ، وقوتِ اليوم ، ومواعيدٍ في المستشفيات وزياراتٍ للبنوك ومغامراتٍ للدوائر الحكومية ، وكل ما يُؤرّق منامك.

وضع في الكفّة الثانية السعادة التي تأتيك من شريك أو شريكة حياتك. الشعور الغامر بالدفء والمحبة الذي لا يستطيع أحدٌ توفيره غيرهم. الأمان الذي يأتيك حين تعود إليهم بعد غياب. المودّة التي لا تنطفئ. حينها، سترى أي كفّةٍ سترجح ، وسترى أن المسؤولية هي الثمن البسيط الذي تدفعه لقاء هذه الرابطة التي تربطك بنصفك الآخر وتملأك بالفرح ، والتي لو لم تكن أغلى من أيّ ثمنٍ ، لما جعلها الله تستمر إلى الآخرة.

وقس على ذلك! هذا الميزان لا يخطئ. ضع المسؤوليات في كفةٍ ، والشيء الذي تتحمل هذه المسؤولية لأجله في الكفة الأخرى واسأل نفسك: “هل هذا يستحق مني كل هذا العناء؟”

سَـيـُّـدُ الآلام ؟

إسأل شخصاً أو ثلاثةً : ” ما هو أقوى ألمٍ قد يحسُّ به أيُّ إنسان؟ ” وسيقولون لك إما ضربةٌ تحت الحزام أو كسرٌ في الساق ؛ لكن الواقع أمرّ من ذلك بكثير. الصداع العنقودي. ذلك هو أشد ألمٍ على الإطلاق.

ليس هو الصداع النصفي ، ولا الصداع الذي يتحلل ألمه مع حبة “بانادول” . هذا النوع من الصداع يسبب آلاماً متكررةً خلال اليوم الواحد في أوقاتٍ متتاليةٍ ، وشدّة الألم تحطّم جلادة أشدّ الرجال، وتجعل الشخص يكره الحياة فعليّا، فكثيرٍ من المصابين بالحالة وجدوا راحتهم بالانتحار.

Cluster Headache” ذلك اسمه بالانجليزية. سمي بـ”الصداع العنقودي” لأن المصاب تتكرر آلام الصداع لديه عدة مراتٍ في اليوم الواحد، والألم لا يذهب. وله اسمٌ آخر: “Suicide Headache” أو “الصداع الإنتحاري”، سمّي بذلك لشدته القاسية التي تدفع المصاب نحو الرغبة في التخلص من حياته بأي طريقة.

تم تشخيص الصداع العنقودي لأول مرةٍ على يد الدكتور ويلفريد هاريس في بريطانيا عام 1926.  وفقاً للدكتور بيتر جودسبي، طبيب مخٍ وأعصابٍ في مستشفى جامعي في لندن: “الصداع العنقودي هو أسوأ ألمٍ  قد يصيب أي كائنٍ بشري. قد تبدو هذه الإشادة بعيدة المدى، لكن إذا سألت أيّ مصابٍ بهذا المرض إن كانوا مروا بآلامٍ أشد، فاعلم جَزْماً أن إجابتهم ستكون بالنفي. سيقلن لك النساء المصابين به أن خمس دقائق من هذا الصداع أشدّ إيلاماً من الولادة حتى ! فتخيل الأمر كأنه شخص يمر بآلام الولادة عشرة إلى عشرين مرةٍ في الأسبوع. الحالة سيئةٌ حتمًا”.

أسباب الصداع العنقودي لا تزال مجهولةً ، لكن معروفٌ عنه حتى الآن أنه من أنواع صداع الأوعية الدموية ، أي أنها بسبب توسعٍ مفاجئٍ لأوعيةٍ في الرأس تسبب ضغطًا على عصبٍ معين وبذلك يتم الألم. أيضاً، تم تسميته بـ”صداع ساعة التنبيه” لسببين: أولهما هو أنه قويٌّ لدرجة إيقاظ المصاب من النوم، وثانيهما أن مواعيد حالات الصداع لدى المصاب دقيقةٌ جداً، كأنها ساعةٌ بالفعل. لحسن الحظ، فقط 0.1% من سكان العالم مصابين بالمرض، أي أنه نادرٌ إلى حدٍّ ما. بالطبع هناك عدة أدويةٍ تساعد في تخفيف الألم، لكن علاج الحالة بالكامل لم تحدث من قبل.

أحد الأدوية المعروفة في التخفيف من أعراض الصداع العنقودي هو الميلاتونين، والذي يمكن أن يكون علاجًا للأرق.هذا المرض يصيب الرجال أكثر من النساء بكثير، بنسبةٍ تقاربُ خمسَ رجالٍ لكلّ إمرأة، لكن الفرق الشاسع بين الجنسين بدأ يتضائل على مر العقود الماضية إلى ثلاثةٍ مقابل واحد. يقال أيضاً أن المصابين بالمرض قد يباغتهم الألم فجأةً عند استنشاقهم لدخان السجائر.

بعد أن عرفت عن هذه الحالة المستعصية التي، بالفعل، يعتبر الموت أرحم منها عند المصابين بها، أعلم أن مهما مررت به من ألم، فهناك من هو في وضعٍ أسوأ منك بكثير.

لـمـاذا نـَخـافُ الـمـُـواجـَهـة ؟

لدي حدسٌ أنك عند قراءة العنوان قلت لنفسك “وأنا أخو رجال!” وبدأت بالقراءة غاضباً لأن في العنوان نوعًا من الإتهام بالضعف ، رغم أن هذه ليست رغبتي على الإطلاق.
أقصد بالخوف من المواجهة ليس الخوف من مواجهة دبٍّ شرسٍ في مصارعة حياةٍ أو موتٍ ، ولا الخوف من مواجهة خصمك في مباراة كرة قدم ، ولا حتى الخوف من مواجهة صديقك على طاولة شطرنج. أعني وبكل شفافية، خوفنا من مصارحة بعضنا البعض.

فلنفترض أنك كنت مع صديقك، وقام هو بفعلٍ شيء ما، تحسست أنت منه. لكنك تجد نفسك تخفي الموضوع، وإما تتناساه أو تهمس به في آذان أصدقاءك الآخرين، معبراً لهم عن استياءك من فعله، بدلاً من أن تخبره بنفسك. في عالمنا، الكل يتفوه بالعبارة “أنا أحب الصراحة… يعجبني الانسان الصريح.” لكن يؤلمني وبشدة أن القليل منا لديه الجرأة الكافية ليقول لك الحقيقة، خوفاً من جرح العلاقة التي بين الرجل وصديقه، أو الرجل وشريكة حياته. لم لا نطبق هذا المفهوم الذي لطالما أدعينا احترامنا له مع عدم وجوده؟ أمسك صديقك بيده وقل له بنبرةٍ صحيحةٍ صريحةٍ من غير تجريح: “الحركة الي سويتها مالها داعي، لا تعيدها.” ولم لا؟ إذا تقبلها فهي درسٌ له لن ينساه وسيقدر لك صراحتك في المستقبل، وإذا لم يتقبلها فهذا يدل على عدم تقبله للنصيحة، وهذه مشكلته هو. قلّما نجد شخصاً صريحاً بما فيه الكفاية كي يشير إليك بأخطاءك. وإذا وجدناه، نـُحـسُّ بالضيق لمفاتحتنا بموضوعٍ لم نشأ له أن يُفتح.

المجتمعات تتدهور، والمستمعين للنصيحة العلنية -كالتي في التلفاز أو الانترنت- قلّ عددهم. صرنا عندما نصادف النصيحة، أينما كانت، ننفر منها. تبقت لنا طريقةٌ واحدةٌ لإيصال النصيحة على أكمل وجه، وهي المواجهة. المواجهة لا بد منها الآن. هل ترى من صديقك أو أخاك تصرفاً خاطئاً؟ تقصيرًا من أي نوع؟ صفةً كريهة؟ كن هناك! خذه على انفراد وأنفض قليلاً من الحمل الذي على أكتافك، بدل أن تغتابه أو تنفّر الناس عنه دون علمه. إذا كان ما يفعله هو خطأ، فهو أحقّ الناس أن يعلم! كن ودوداً في مواجهتك. لا تكنّ له الغيظ أو الحقد بسبب ما اقترفه، وأشعره بأنك في صفه، وليس ضده. هكذا سيعلم أنه إن كان هناك من يستحق الاعتماد عليه، فهو أنت.

السبب الذي يدعونا إلى الخوف من المواجهة هو ردّة فعل الشخص الذي نواجهه. والسبب الذي يجعلنا نتضايق من المواجهة هو شعورنا بأن الشخص الذي يصارحنا بأحد عيوبنا هو أفضل منّا في ذلك الحقل من الحياة. ماذا لو كان هو بالفعل أفضل منك؟ لا يعني ذلك أنه أفضل منك في كلّ شيءٍ آخر. كل منّا له عيوبه ومزاياه. الناس مثل قطع الأحاجيّ الصغيرة، لنا أجزاءٌ بارزةٌ -مزايا- ولنا أجزاءٌ مقعرةٌ -عيوب- وأجمل ما في الأمر أنه يمكننا أن نكمل بعضنا بعضاً!

جربت أسلوب المواجهة مع أختي -البالغة من العمر 3 سنين- عندما كنّا في أحد المتاجر. كانت تركض وتضيع عنا عمداً كي نبحث عنها، وكان صوتها عالياً. حاولت أمي أن تسكتها وتمسكها مراراً لكن دون جدوى. تذكرت لحظتها طريقةً رأيتها في برنامج وثائقي عن تهذيب الأطفال برفق، وجربتها:
جلست على ركبتيّ أمام أختي -لكي تكون عينيّ وعيناها في نفس المستوى- ووضعت يديّ على كتفيها، وقلت لها أنّ أمي لا يعجبها هذا التصرف وأننا في مكانٍ عامٍ ولا بُد أن نتصرف بأدبٍ. عندما تفوهت بآخر كلمة، رأيت الابتسامة الشريرة تذوب عن وجهها وما لبثت أن قفزت بين ذراعيّ وضمّتني. ومن لحظتها وحتى عدنا للمنزل كانت في منتهى السعادة والهدوء في الوقت نفسه.

المواجهة جزء منّا، فإلى متى سنهمشها ؟ علّم نفسك وعلّم من حولك أن الصراحة المواجهة، والنصيحة كالأوتاد التي تبقي المبنى متماسكاً. هل تريد أن تتهرّب من المواجهة وترى حياتك تتهاوى أمام عينيك، أم تفضّل أن تتذوق بعض الإحراج أثناء مصارحة شخص عزيز عليك لتبقي علاقاتك بالناس وطيدة، وترفع شأنك بين الناس، وتبقي المبنى شامخاً؟

كـَــاراتــِيـــــه .. أو نـِيـنـجـَــــا ؟

كلنا مررنا بمرحلة وددنا فيها أن نٌـتـقـن أحد فنون القتال الآسيوية المتعددة، إما لأهدافٍ صحيةٍ أو للدفاع عن النفس والغير؛ لكن هل سألت نفسك: ما الفرق بينها؟ ما المتوفر منها؟ أيها الأنسب لي؟

سأعدد منها البعض، وسأعطيك الزبدة. كل ما تحتاج أن تعرفه عن كل من: Karate, Taekwondo, Aikido, Judo, Kung Fu, Ninjustu.
الكاراتيه، التايكوندو، الآيكيدو، الجودو، الكونغ فو ، النينجا” .

تذكر أن أغلب هذه الرياضات تعتبر خليطاً من رياضاتٍ أقدم بكثير ، وأغلبها انقرض ليتركو مجالاُ لأحفادهم الجدد:

  • الكاراتيه: رياضةٌيابانيةٌ تعتبر قديمة مقارنة بغيرها، لأن عمرها حوالي 200 عام. تعني كلمة كاراتيه: “القبضة الخالية” وذلك لعدم استخدام ممارسيها لأي أسلحة. ببساطة، تعتمد الكاراتيه على اللكمات أكثر من الركلات، لكن لا يعني ذلك استبعاد الركلات كليًا. فإذا كان جسمك صلبًا أو كانت أطرافك كأطراف حدّادٍ أو حطّاب، أو كنت مليئاً بالحماس٬ فالكاراتيه هي خيارك. ممارس الكاراتيه يدعى “كاراتيكا”.

  • التايكوندو: رياضة كورية الأصل، تعني “طريقة القدم واليد” وعمرها حوالي 55 عامًا. تعتبر أشهرَ رياضة دفاع ٍعن النفس في العالم من حيث عدد ممارسيها، والذين تتراوح أعمارهم ما بين المرحلة الإبتدائية وحتى البالغين. تعتمد بشكل أساسي على الركلات أكثر من اللكمات، والتعدد الكبير في ركلاتها تجعل منها رياضة بحاجة إلى جسم حسن البنية وسريع الحركة، فإذا كانت ساقيك طويلة أو بنيتك رشيقة، فهذه الرياضة لك. ممارس التايكوندو يدعى “تايكوندوقا”.

  • الأيكيدو: رياضة يابانية الأصل وتعني: “طريقة الراحة الروحية” وذلك لأن ممارسيها يستخدمون قوة العدو ضده، وفي نفس الوقت يتجنبون إيذاءه بكسرٍ أو جرحٍ لأن جلب الضرر للغير سيء في نظرهم. لا تخف، فلن تخالف أي من أصولك الدينية عند ممارسة الأيكيدو لأن تمارينها الروحانية تشمل تهدئة الذات عوضاً عن العبادة أو أي شيء من هذا القبيل. الأيكيدو عمرها 80 عاماً، وتعتمد بشكلٍ كلي على المسكات ولوْي المفاصل. إذا كنت شخصاً هادئ الطباع وحادٌ الذكاء ؛ لكن ترغب في الدفاع عن نفسك، هذه الرياضة مناسبةٌ جداً لك. يسمى ممارس الأيكيدو “ايكيدوكا”.

  • الجودو: رياضةٌ يابانيةٌ عنيفةٌ ومليئةٌ بالمنافسة، بالرغم من أن معناها هو “الطريقة الهادئة” إلا أن القتال فيها يعتمد بشكل ٍشبه كلّي على طرح العدو أرضاً، شنقه أو كسر أحد مفاصله. عمر الجودوحوالي 130 عاماً. إذ كانت بنيتك كبيرة أو عضلاتك ضخمة، آو حتى كنت مجرد شخصٍ حاد الطباع وتملؤك روح المنافسة، فالجودو هي طريقك. ممارس الجودو ينادى “جودوكا”.

  • الكونغ فو: من أعرق رياضات الدفاع عن النفس في العالم. يعود عمر هذه الرياضة الصينية إلى حوالي 1000 سنة أو أكثر، ويتفرع منها عشرات الآلاف من أساليب القتال التي لا زال أكثرها مجهولاً تماماً للعامة، فأتباع معبد الشاولين يرون أهمية الإحتفاظ بأساليبهم القتالية كأسرار. لكن أشهرها حالياً  هو أسلوب الـ”شاولين كوان” والذي يعتمد على خفة الحركة وليونة المفاصل وقوة الجسد وهدوء البال، كلها في آن واحد. يقال أن معظم من يحاولون ممارسة الشاولين سينتهي بهم المطاف منهكين كلياً وذلك لصعوبة التمرين الذي يدوم سنين متواصلة وبمستويات صعبة جداً وباستخدام العديد من الأسلحة كالسيوف والعصيان. إذا كنت تفضل استخدام كامل جسمك بالتساوي وكنت شديد الملاحظة، فاتبع نهج الكونغ فو. الألفاظ المستخدمة في تسمية ممارسي هذه الرياضة عديدةٌ جدًا، أشهرهما هما “سيفو” للمدرب و”لوهان” للممارس الحيوي.

  • النينجا: هو اسمها المتداول بيننا، بينما اسمها الحقيقي هو الـ “نينبو” أو الـ “نينجوتسو” وتعني “فن التخفي والصبر” وكان ممارسوها جنود الشينوبي في اليابان والذين تم استخدامهم كجواسيس ومرتزقة خلال الحروب اليابانية منذ مئات السنين. تعتبر من أكثر الرياضات تعقيداً حيث أن ممارسها لا بدَ أن يتعلم حوالي ثمانية عشر منهاجًا، تشمل الصفاء الذهني، والقتال اليدوي، والقتال بعدة أنواع من الأسلحة كالخناجر والعصيان والمناجل والنجوم الحديدية المعروفة بالـ “شوريكن” بالإضافة إلى فنون التخفي، وركوب الخيل، والتخطيط، والهروب، والسباحة، والجغرافيا وعلم الفلك. باختصار، مقاتلي النينجوتسو يعتمدون بشكل كامل على التسلل وراء الخصم والقضاء عليه بصمت وسرعة دون ترك أي أثر، أي أن النينجوتسو يعتبر فناً هجومياً عوضاً عن كونه دفاعياً كبقية الفنون المذكورة أعلاه. أغلب ممارسي هذه الرياضة لديهم الرغبة في الإنتقام أو الإغتيال. تمارينها خطرة جداً وأنصح بالابتعاد عنها، خصوصاً لاحتمال شمولها بعض أنواع الشعوذة والسحر. لكن إن كنت تبحث عن المخاطرة والتمارين الشاقة والأسلحة الفتاكة، فقد وجدت ما تبحث عنه.

للمعلومية، كل هذه الرياضات متوفرة للتعليم في جميع دول الخليج تقريباً (حتى النينجوتسو) ومدربوها ذوي كفاءةٍ عالية. لكن تذكر، كل هذه الرياضات يجمعها شيء واحد: دون العزيمة والإصرار والإستمرار في التمرين، ستخرج من النادي بخفي حنين.

وتذكر أيضاً، قد تنقذ بقوتك الجسدية شخص أو اثنين أو عشرة. لكن بعقلك، تستطيع أن تنقذ آلاف الأرواح.

كــمْ سِـعـرُك ؟

أنا من المؤمنين أننا وجدنا على هذه الأرض لسبب. في الواقع هي عدة أسبابٍ، وكلها تقود لنفس الوجهة، لكن دعنا من ذلك الآن. الآن، دعني أخبرك عن فرضية ٍصغيرةٍ أتيت بها، تقدر من خلالها أن تعرف قيمتك في الحياة. كم تعادل؟ كم سعرك؟

فلنفترض أنك متّ. توفيت. انتهيت. ولم لا؟ يومك قريب. وكلنا على قفاه تاريخ إنتهاء صلاحية، فلم نفزع من مجابهة الموضوع بصراحة؟ المهم هو أنك متّ. هل تستطيع لحظتها أن تخبرني : “كم عدد الناس الذين سيتذكرونك عند وفاتك؟”
طبقاً للفرضية، كلما زاد عددهم، كلما ارتفع سعرك. والرقم ثنائي الأقطاب; قد يتذكروك بأفعال شنيعة، فقيمتك بالسالب، أو بأفعال تبتسم لسماعها كل شفاه، فقيمتك بالموجب.

هل تريد أن تعرف أسعار أُناس آخرين؟ فلنبدأ:

العامل في أحد محلات “ستار بكس” للقهوة. صحيح أنه قد مر به المئات -إن لم يكونوا الآلاف- من الزبائن، لكن هل ترك على أي منهم إنطباعاً لا ينسى؟ هل ترك بصمته الخاصة في ذاكرتهم بأي شكل؟ لا؟ إذا عدد من سيتذكرونه بعد مماته، والله عليم، لن يتجاوز دائرته الإجتماعية الضئيلة والتي تشمل أهله وأصدقاءه. يا ترى، كم سعره؟

الدكتور عبد الله الربيعة. حصل على منصب وزير الصحة بكل جدارة لنجاحه في مجال طبي جديد كاد يكون مستحيلا على العديد من الأطباء غيره. حتى لو لم نتذكره نحن، سيتذكره أهالي التوائم الذين أنقذ حياتهم. وسيتذكره علماء من العرب والغرب، لمساهمته في رفع علوم الانسان خطوة إضافية والتقدم بالبشرية أفقاً أخر. يا ترى، كم سعره؟

الشيخ عبد الرحمن السديس. من منا لا يعرفه؟ من منا لم تهتز طبلة أذنه لصوته؟ من منا لن يبكي حين توافيه المنية؟ أنا أعلم يقيناً ان عينيّ ستذرفان بالدمع يومها، ليس لضعف مني -سآتي إلى موضوع البكاء في وقت آخر- بل لأنه ترك بصمته عليَ. وعلى الكثير غيري، من جميع بقاع العالم… كنت في الحرم المكّي أنتظر صلاة العشاء ذات مرة حين جاءت إلي إمرأة كبيرة في السن من أصل مصري- على حد علمي أنها جاءت للعمرة، جزاها الله خيراً- وسألتني: “مين الي حيؤمنا؟” فرفعت كتفيّ وقلت أنني لا أدري، فقالت بصوت ملأه الرجاء: “يا رب يكون المتختخ…” وكانت تعني بذلك الشيخ السديس أطال الله عمره. وأكاد أجزم أنها لم تكن أمنيتها هي وحدها ذلك الوقت. يا ترى، كم سعره؟

القائد الدكتاتوري أدولف هتلر. أنا متأكد أنك حتى لو لم تكن ملمّاً بعلوم التاريخ، أنك على الأقل سمعت باسمه، وأن ما سمعته جواراً لاسمه لم يكن شيئاً سارّاً. باستحلاله لمعظم أوروبا وشمال أفريقيا ومساهمته في قتل أكثر من 17 مليون مواطن، منهم نصف مليون يهودي، مليون ونصف روماني، مئات الآلاف من المعاقين، مئات الآلاف من المتدينين، والالآف من أتباع جهوفا الذين رفضوا اتباع إمرته المتسلطة. مهما كان دافعه لفعل ما فعل، إزهاق أرواح البشر أمر لن ينساه التاريخ، وبالرغم من أن افعاله تجاوز عمرها نصف القرن، إلا ان الناس لا زالت تضرب به المثل في الشر واللاإنسانية. يا ترى، كم سعره؟

رسول الله محمد بن عبد الله ، صلى الله عليه وسلم. الآن، انظر لأي شخصٍ في العالم، عيناً بعين، واسأله عنه. لن يقول لك “لا أعرفه” إلا جاهلٌ أو متجاهلٌ. وذلك ليس الآن فقط! اسأل عنه قبل مئة سنة. مئتان. خمس مائة. ألف. وعد بالزمن واسأل من شئت، وسيقال لك نعم. ليس الملايين، بل البلايين من البشر إما سمعوا عنه، أو يعرفونه، أو يؤمنون به ويشهدون أنه رسول الله -مثلي ومثلك. غير حياتهم. حوّل أجيالاً بعد أجيال من الظلمات إلى النور. رجل بهذه العظمة ترك، بلا شك، أكبر بصمة في تاريخ البشرية، وكلنا شاهد. يا ترى، كم سعره؟

والجميل في الموضوع: تستطيع تطبيق هذه الفرضية على أي شخص في الدنيا، سواء كان حياً أو ميتاً. واضحٌ وضوح الشمس أنه ليزداد سعر شخصٍ، عليه أن يترك أثراً على البشرية، وكلما ازداد الأثر حجماً، كلما ازداد سعره في الحياة. أنا لا أقول كل هذا لك لأعلقك في الحياة الدنيا وأنسيك الآخرة، ولا لأقارنك بأي أحد، ولا لأقلل من ثقتك بنفسك… بالعكس! أنا اقول كل ذلك لك لأذكرك أنك لست وحدك على هذه الأرض، فهناك البلايين غيرك، وكلهم لديهم عقلٌ وعينين وروحٌ. ولأذكرك أنه كما خبزوا لك فطورك، وخيطوا لك ثيابك، وعالجوا لك جروحك، وبنوا لك بيتك، وصنعوا لك سيارتك، فإنهم ينتظرون منك رد الجميل. “لا يشكر الله من لا يشكر الناس.” متى ستدرك أننا هنا لبعضنا؟ أن سياسة “كل واحد لحاله” لا تسمن ولا تغني من جوع؟  أخرج من دائرة الأنانية وفكر الآن: إلى متى ستكون مستهلكاً؟ متى ستكون منتجاً؟ المستهلك الذي لا ينتج عالة على العالم. إلى أن يبدأ بالتغيير، ويترك أثراً.

ولو كان الأثر بسيطاً … فقل لي الآن… كم سعرك؟

هـايـبـَـر بـنــده ، مـعْ أم ضِـد ؟

قبل أن تنهال عليّ بالإتهامات، دعنا نتفق على بضعة أمور. أولها أنني محايدٌ في مسألة توظيف النساء في فروع هايبرماركت بنده. ثانيها أن لا نهاجم المعارض ونتهمه بالتشدد، ولا المؤيد ونتهمه بالليبرالية. أتفقنا؟ جميل.

الآن دعنا ننظر لهذه المسألة من عدّة جهات، من وجهة نظر المؤيد، ووجهة نظر المعارض، مع شرح وجهة نظر كل منهما بالعقل والمنطق.

أولاً، المؤيدين:

نعم، من حق المرأة الإسترزاق. نعم، من حقها العمل. إذا كانت المرأة عفيفةَ وتصون نفسها من الأذى، فلم التضييق على لقمة عيشها؟ صحيح أنها في مكان مختلط، لكنها وجدت هنا لتعمل لا لتعبث مع الجنس الآخر، وإن حصل ذلك، فهو خطأ شخصي لا يجب أن يحمّل على عاتق الفكرة أساساً. لربما كانت المرأة من غير عائلٍ يعولها. لربما كانت في أمس الحاجة لهذه الوظيفة.

في كل الأحوال، يحق للمرأة العمل في مكان عامٍ كما يحق للرجل تماماً. إذا التزمت بالضوابط الشرعية، بذلك تكون صانت دينها، وفي نفس الوقت تحصّلت على قوت يومها. استخدام الأدلة الدينية ضدها لزجرها عن العمل كارثة، خصوصاً أن الجنس اللطيف يشكلون من مجتمعنا أكثر من 50% حسب آخر الإحصائيات، فبذلك نكون – حرفياً – قد قطعنا أرزاق نصف البشر… والأسوأ من ذلك الإساءة لهن واتهماهن بالسفور وقلة الأدب، بل وقد يصل البعض إلى القذف.

فلنتوقف عن بناء الحصون حول بناتنا، فهن كبار وأذكياء ويدركن ما قد يأتي من التواجد في الأماكن العامة، لكن ما يتبادر إلى ذهن الشخص الذي يرمي الإتهامات هو العكس تماماً لما هو في منتصف ذهن الشابة العاملة، والتي جلّ مرادها كسب بعض المال لتبقى على قيد الحياة.

فلا داعي للخناق والإشارة بالأصابع… ودعوا المجتمع ينمو بسلام.

ثانياً، المعارضين:

نعم، نساؤنا درر عيوننا وفلذات أكبادنا. نعم، أغار على أختي وابنتي وأخاف عليهن من الإنجراف. لن أقول الإنحراف، لأن هذا من هوى الذات وكلٌ أنبَه على نفسه من غيره، لكني أقول الإنجراف لأن تيار المجتمع يستطيع تغيير فكر ونظر الشخص إلى عكس ما نشأ عليه. لسنا من المعارضين ذوي المقاطعة ولا الزجر ولا التحريم الديني لأن للفتاوى أهلها يقومون بها على أكمل وجه. ما يغيظني هو ما سنصل إليه إذا سمحنا لهذه الظاهرة بالحدوث.

كل عام بعد عام، يطالب الشعب بتوسيع نطاق الحلال، شبراً شبراً. ليس بذنب منهم، بل بسبب البذور السوداء المنثورة في عقولهم على مر السنين. لماذا تظن أن أكثر المؤيدين صغار في السن مقارنة بنا؟ لأنهم نشأوا تحت تأثير الإعلام الذي يقودهم إلى التصديق بأن “بعض” التحرر لا بأس به. تخيل أبناءهم؟ إني لأرى بعد عقد من الزمن شعبنا يطالب بتحليل أمر، لو طالبوا به الآن لاشمئز منه الجميع على حد سواء.

شعبنا الآن كالكرة على أرضٍ تبدو مستوية لكنها مائلة بدرجة تكاد لا تذكر، لدرجة أن الكرة لا تعلم بأنها تتدحرج حتى يكون الوقت قد فات على محاولة تطبيب الجراح. قد يبدو الأمر لنا الآن ليس بذلك الأهمية، لكنه إحدى أول الخطوات باتجاه إنحدارنا نحو الهاوية التي أراد لنا أعداءنا الوقوع فيها منذ أن أصبحوا ملوك الإعلام التلفزيوني. لا أريد أن أبدو كمتشدد، لكن هذا الواقع! صحيح أن البعض حرّم أموراً لا تستحق التحريم في السابق، كالهاتف الجوال، لكن مثل هذه المواقف السابقة هي التي جعلت من شبابنا يعيش في الإعتقاد بأنه أيما تم تحريمه علناً فهو لا يستحق التحريم كذلك. لا أريد أن أهاجم أخوتي وأبناء شعبي، بل أريد أن أهاجم هؤلاء الذين دخلوا بيننا وأدعوا كونهم منا، بهدف دحرجة الكرة.

إذا كنت لا تصدقني، فابحث عن شركة RAND على أي محرك بحث. هي شركة لا تهدف للأرباح المالية، وإنما دراسة الشعوب عن كثب، ومحاولة تأصيل بعض العادات فيهم، كصرف النظر عن الروحانيات والتشديد بأهمية الماديات، وكإبراز المرأة أمام الكل بلا غطاء ساتر (والذي هو محرم لا شك فيه، والشاكّ مكذّب للسنة… وأترك ماهيّة الغطاء الساتر لك لتفسرها كيف شئت)، وكترغيب الشعوب في الإلتهاء بتوافه الأمور، وكاستهداف الصغار في السن الذين – يوماً ما- سيكبرون ليقودوا البلد ويغيّروا من عاداتها حتى تصبح عكس ما أراد رسولنا محمد -عليه الصلاة والسلام- تماماً، ونحن غير مدركين لذلك.

بالطبع لو سألت الشركة بنفسك عن إذا ما كان هدفها هو كالمذكور أعلاه، سينكرون وبشدة. مع أن أثرهم واقع وواضح وقعه لا محالة.

إن سألتني “ماذا أفعل إذا؟” سأقول لك: إلبس البنطال، وقد السيارة، وتفرّج الأفلام، وسافر للخارج، لكن إحذر أشد الحذر أن يقودك كل هذا إلى تغيير كيانك… كيان الإنسان المسلم. فإن تغير كيانك، تغير كيان أبنائك، وبعد قرن من هذه اللحظة، سيصبح مجتمعنا مجتمع يطالب بتحليل عمليات تغيير الجنس، وتحليل عيش رجل وامرأة معاً دون زواج تحت سقف واحد.

شركة “راند” لها فرع في دولة قطر، مهمته دراسة الشعب العربي ككل، ومراقبة التغييرات التي تحدث لناشئيهم، وبالتالي تفكيكنا من الداخل.

تذكر، أخي المؤيد، أختي المؤيدة: اليوم سوبرماركت، وغداً تستيقظ وتعدّ الفطور لأختك وصديقها “الحميم”.

أللهم هل بلغت؟

هذه وجهات النظر التي استطعت أن أتوصل إليها بعد أن احتككت بأشخاص من كلا الطرفين، وكلٌ أدلى بدلوه بناءً على ما يراه، دون أي خصام. سواء كنت من أياً منهم، أو محايداً مثلي، تذكر أن رأيك وموقفك لا بد أن يُتخذ عن قناعةٍ وصواب رأي، وما هو في مصلحتك خاصةً ومصلحة ذريتك ومجتمعك عامةً… لا عناداً في الطرف الآخر، ولا اتباعاً أعمى للطائفة الأكثر جاذبية.

إن كنت قد وصلت إلى هذا السطر دون أن تثور ثائرتك، فأنا أحييك أحسن تحيّة، لأنك ذو عقل متقبل للآراء وذهن متفتح، وخصوصاً لو كنت من أحد الجهتين.

فأيهم أنت؟

متى صار البكاء عيباً ؟

هل يمكنك أن تجزم أنك لم تبكِ -طوعاً- على الأقل مرةً واحدةً في حياتك ؟ إذا أمكنك ذلك ، فأنت إما من حَجَر ، أو لديك انسدادٌ في القنوات الدمعية.

إن مصطلح “الرجل لا يبكي” غطى عقولنا كما يغطي الذباب الجثث ، إنني لا أتحدث من وجهة نظر  ٍ شخصية ٍ بل إن هذا حقيقي! وهل تعلم ما هو الحقيقي أيضاً ؟ البكاء نعمة. نعم إنه نعمة! وسأقول لك كيف.

متابعة قراءة “متى صار البكاء عيباً ؟”