كيف تنشأ العـادات؟

قال تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} ١١- الرعد.

“الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوقَهُ ” حديث موقوف.

تفقد السيطرة على نفسك وتبدأ بهدم كل ما بنيته ثُم تندم ثم تعود مرّة أخرى مرارًا وتكرارًا هكذا بلا جدوى، تحاول أن تُقلل من الثرثرة، تُحاول أن تتوقف عن الغضب تُحاول أن تتوقف عن الندم و الحسرة على ما فات، تحاول أن تبتسم دائمًا أو تُحاول أن تُغيّر ذلك الخُلُق الذي أرّق مضجعك وأسهر لياليك نعم أنت تعرفه جيدًا فلطالما حاولت التهرّب منه أو نسيانه أو التخلص منه بالتوقف فجأة ثُمّ عُدت فانتكست وعدت أسوأ من ذي قبل.

إنّ ما تحتاجه هو التدريب نعم دائمًا تدرّب تصنّع الخُلق الذي تُريده، كم من أزواجِ يحبون بعضهم قد فقدوا السيطرة وانفصلوا أو عاشوا الجحيم لأنهم لم يستطيعوا السيطرة على الغضب ولم يحاولوا التدرّب على التوقف عن الغضب، التوقف تمامًا عن الغضب أي الوُصول إلى الحِلم، فالحِلم يفتح أبوابًا من الحكمة وحُسن الخُلق، وهو وصية رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلّم عندما جاءه رجُل يقول أوصني فقال: “لا تغضب” فردّد مِرارًا -أوصني- قال: “لا تغضب” رواه البخاري. إذًا كيف يُمكن أن تتوقف عن الغضب الذي يسيطر عليك ويضع قُفلاً معدنيًا على عقلك، ويسلبك التفكير ويسبب لك مشكلاتٍ أنت في غنىً عنها، لو أنك فقط تصرفت بهدوء، تصنّع الأخلاق والدماثة والمِثالية، مهما استفزّك الطرف الآخر أخبره ما كنت ستُخبره وأنت غاضبٌ ولكن بهدوء، هذا سيُغيّر من نفسيتك، فلو قلته وأنت غاضب سيؤثر ذلك عليك فأنت تسمع نفسك وتثور أكثر فأكثر حتى تعود لتسمع نفسك الهادئة مرّة أُخرى لتهدأ، لذلك ابقى هادئًا وركّز على هدفك وهو أن تتغيّر وتصبح أكثر تحكمًا بنفسك، غيّر طريقة تفكيرك نحو الغضب فالشخص الذي أمامك عندما يغضب ويحاول استفزازك فإنّ أكثر ما يجعله مرتاحًا هو النجاح في السيطرة عليك، وتحويل مزاجك إلى مزاجه الهائج، لماذا تُعطيه هذه الفُرصة؟

تصنّع الابتسامة أولاً إذا أردت أن تكون بسّامًا، ابتسم الآن بدون سبب، هل نسيت دروس الطفولة؟ فقد كنت تبتسم وتضحك بدون سبب، فالابتسامة هي الفِطرة التي ينشأ عليها البشر، وعندما كبرت رأيت أنّ مَن حولك لا يبتسم لذلك توقفت عن التبسّم حتى تدربت على العُبوسٍ دون أن تشعر، لذلك عليك أن تعاود التمرين، فبداخلك طفلٌ مُبتسم، ولكنّ عضلة الفك لديك تحتاج إلى التمرين لتعود ابتسامتك الساحرة مرّة أُخرى.

تصنّع الثقة بالنفس وأنت تقف على المنصّة وأمامك مئات المُشاهدين، لا تجعل شيئًا يُفقدك وجه المُقامِر، استمر بأخذ جرعات الشجاعة والتدرب أكثر حتى الثبات أعلى المنصّة وإبهار المُشاهدين.

هكذا تبدأ العادات بسيطةً مُتكلفةً مُصطنعةً، ثُمّ مع الاستمرار والتدريب المتواصل تُصبح تلك العادات أساس الشخصية، قال أحدهم :”جاهدت نفسي على الخشوع أربعين سنة واستلذذت بالخُشوع أربعين سنةً أُخرى”، فتخيّل هذه التدريبات اليومية كيف جعلت التغيير دائمًا ومُستقرًا، نعم هذا التصنُّع الصادق هو مجاهدة النفس واتخاذ الأسباب، وليس التصنُّع الزائف الذي لم يُرد صاحبه إلّا  الانتهاء من أمر ما ثم يتركه، بدل أن يجعلها خِصلةً دائمةً في شخصيته، والآن ماذا تُريد أن تكون؟ كُن أنت أولاً حتى تكون ما تُريده!

خيالُ العقلِ الرّائِع!

عقولنا تلك الهبة الإلهية المُبدعة، خيالنا والحقيقة لا يتم أحدهما دون الآخر، وكل حقيقةٍ فيها خيال، وكل خيالٍ يحوي الحقيقة، وكثيرٌ من الأشياء لا نراها على حقيقتها، والكثير من الأشياء نُحب ألّا نراها على حقيقتها لنترُك خيالنا يسبح بما هو أجمل من الواقع.

هل شاهدت مرةً أحبابًا يتحدثون عبر الهاتف أو متقابلين على طاولة مستديرة في مطعمٍ فاخر؟ هل لاحظت محادثاتهم؟ إن أكثر حديثهم هو الصمت والبوح بصوتٍ منخفضٍ وهم لا ينظرون لبعضهم البعض إلّا  قليلاً ! وحتى تلك النظرات الناعسة لا تستطيع الرؤية بشكلٍ كامل، ربما ذلك يجعل من شركات الاتصالات وزبائن المطعم سُعداء! ولكنّ الحقيقة أنهم لو أكثروا الحديث لم يكونوا ليتفقوا، كما يحدث بعد عدة سنوات من التعارف؛ وذلك لأنهم لم يتركوا خيالات عقولهم الجميلة تستمر؛ ولكن قاطعوها بالتحدث والتحدث أكثر.

هل لاحظت عندما تستمع لمقطع صوتي تم تسجيله بصوتٍ منخفض أن هنالك الكثير من الفراغ تُرِكَ عمدًا! إن هذا الفراغ يُثير خيالاتنا ويجعلها تُبحر في بحر العقل الرائع الذي يجعل من رضى الناس غايةً تُدرك، فكلٌ يضع ما يحب في ذلك الفراغ، حتى عندما تنظر إلى صورةٍ ذات أُفقٍ غير منتهي فإنك تجدها جميلة، الضباب وتلاشي الضوء، رذاذ الماء، صدى الصوت، السماء والنجوم والكون الذي لا زال يتسع أكثر ليُصبح أجمل، جميعها تركت لخيالنا المزيد من سحرها وكل يومٍ تُصبح أجمل.

هل ستختار الحقيقة أم الخيال؟
رُبما تعتقد أن الحقيقة أكثر عملية وأنّ الخيال غير موجودٍ سوى في عقولنا! إذًا لماذا دعتنا آيات السماء إلى التفكّر؟ وما هو التفكّر إذا لم يكن خيالاً يصلنا بالواقع و يزيدنا إيمانًا بعقولنا وبخالقها؟

اسرح بخيالك، تأمّل دائمًا..
لا تتوقف عن الإنجاز ولا تتوقف عن الخيال، فالخيال يُغذّي أعمالك ويُضفي عليها سِحرًا ستراه في عيون الناظرين، عندها ستستمتع أكثر بأعمالك وسيتوسع خيالك مع كل إنجاز، فخيال اليوم حقيقة الغد، عِش خيالك بواقعية واستمر في الحلم حتى يُصبح واقعًا، حينها سيكون خيالك قد بدأ حُلمًا جديدًا.

 

أين سرحت أطياف خيالاتك وأنت تقرأ؟
هل ستتركها تتلاشى كما تلاشت غيرها في أرشيف الخيالات الذهبية دون أن يسطع نورها في عالم لا يراه سِوى  أنت؟!