سِّـــرُ آيـنـشـتــــايــنْ !

عند مراجعة إنجازات العظماء ، تجد أنها خروجٌ عن العُرف والفكر السائد ، من تفاحة نيوتن وبساطتها إلى دافينشي مرورًا ببيكاسو ، وانتهاءً بجاليليو ومعارضةِ سلطة الكنيسة لهم، الجرأة كانت هيَ المُحرّك لهؤلاء ، وعلى رأسهم ألبرت آينشتاين. بعد قراءة كتاب “Einstein:His Life and Universe” وجدتُ أن الصفة التي تلازم كل صفحة فيه هي الجرأة .

صِفتُهُ البارزة:
يكمُن سِرّ تميز شخصية آينشتاين بالـ”جُرأة” ، ففي بداية حياته العلمية في المرحلة الثانوية، جعلته جرأته يقاوم السلطة، على عكس باقي أقرانه، فتمّ طرده من المدرسة بسبب عدم رضاه عن المعاملة الفوقية للطلاب – مع العلم أنه كان من الطلاب المجتهدين- على عكس ما يُتداول عنه أنه رسب في الرياضيات، فقد نفى ذلك بنفسه. واستمر في معارضته للمعلمين حتى في معهد الاتحاد السويسري للتقنية في زيورخ، مما جلب له المشاكل فيما بعد، عندما احتاج إلى توصيةٍ من بعضهم حتى يتم تعيينه في منصبٍ تعليمي.

عالِمٌ جريء:
الجرأة مفتاح نجاحه كعالمٍ أيضًا، فكان يقف مُنبهرًا أمام ألغازٍ كانت بالنسبة للآخرين أشياءً مألوفةً لدرجة الابتذال، غير مبالٍ برأي الآخرين حتى لو كان نيوتن بنفسه. وكانت دراسته للأبحاث القديمة والحديثة بطريقةٍ نقديةٍ، باحثًا عن النقص أو الخطأ، فقد كانت النسبية الخاصة ثم العامة تُعبرّ عن عدم اقتناعه بنظرية نيوتن للحركة، مع العلم أنه في ذلك الوقت لم يحصل على أي شهادةٍ علميةٍ في الفيزياء. وكذلك قد وصلت به الجرأة أن ينشر بحثًا في عددٍ من مجلاتِ الفيزياء ناقدًا فيه نظرياتِ نيوتن -مؤسس علم الفيزياء- ، بينما هو مجرد موظفٍ بسيط عاشقٍ للفيزياء؛ مما جعله أضحوكةً لمجموعةٍ من العلماء في بداية الأمر! وفي نفس الفترة وجّه نقدًا لأكبر علماء الفيزياء في ألمانيا  ماكس بلانك، الذي أصبح فيما بعد من أقرب أصدقائه.

سياسيًا :
حتى في الناحية السياسية استطاع آينشتاين أن يغير مجرى التاريخ ،عندما أعطى لأمريكا الأفضلية في الحرب العالمية الثانية وجعلها القوة الأعظم، وذلك لإصراره على فكرة القنبلة النووية، وإرساله خطابًا للرئيس الأمريكي بذلك، والتي نفذها فيما بعد تحت اسم “مشروع مانهاتن“. كما كانت له مواقفٌ سياسيةٌ عديدةٌ قائمةٌ على احترام الحريات والعقول، متحديًا أكبر رجال السياسة والصحافة في ألمانيا وأمريكا، وهو أول المطالبين بوقف التسلح وتكوين هيئة محايدة تقوم بفك النزاعات بين الدول.

منهجُ حياة :
التشكيك في المنطق السائد ، ومعارضة السلطة ، كانت تشكل شخصية آينشتاين، وهي كذلك الدافع لجرأته والعكس صحيح، الجرأة في كثيرٍ من الأحيان قد يراها البعض وقاحة ، خاصة في الآراء المخالفة للرأي العام، لكنها كانت هي القوة الأساسية في حياته وعلاقاته مع الاخرين ، فقد قال مرة “فلتحيا الوقاحة ، إنها ملاكي الحارس في هذا العالم”. مع ذلك فإن التواضع كان أجمل صفات هذا العالم العظيم، لكن جرأته هي التي كسرت جميع الحواجز، وكسرت جميع قوانين الفيزياء القديمة ومسلماتها، وبنى بها علم الفيزياء الحديث، وعلم الكونيات الحديث.

مخطوطة كُتِبت بيد آنشتاين لأحد معادلاته – المصدر

وفي آخر ثلاثين سنة من حياته ، وقف مرةً أخرى وحيدًا  بكل جرأة بعد أن أصبح من أشهر شخصيات العالم، مواجهًا جميع علماء الفيزياء، واصفينه بـ”العجوز المُخّرف” ، متوجهًا إلى طريقٍ جديدٍ في الفيزياء وهو” توحيد النظريات” . وفي بداية القرن الحالي يُثبت آينشتاين مرةً أخرى أنه على حق ، ويعود علماء الفيزياء اليوم إلى توحيد النظريات الذي بدأه هذا العالم الكبير.

عـَـقْـــلٌ غـيـرُ هــادِئ !

كتاب عقل غير هادِىء هو سيرة ذاتية للدكتورة كاي ردفيلد جاميسون و معاناتها مع مرض ذهان الهوس الإكتئابي أو الاضطراب الوجداني ثنائي القطب.

وهذا المرض هو عبارةٌ عن نوباتٍ تصيب المريض ليكون فيها ذا مزاجٍ عالٍ و في قمة عطائه، بل و يكون ذا نشاطٍ غير طبيعيٍّ جسدياً و عقلياً و ويقوم بأعمالٍ غير منطقيةٍ ، مثل شراء عدة تذاكر لحفلةٍ واحدةٍ أو شراء عدة نسخٍ من روايةٍ واحدةٍ ، ثم تنتكس هذه الحالة فيصبح المريض مكتئباً كسولاً لديه الرغبة في الإنتحار.

من يقرأ الكتاب يجد أن كاي جاميسون تحكي قصتها ابتداءً من الطفولة ومرورًا بكلية الطب ، وحتى توليها عدّة مناصبٍ أحدها الطبيبة المشرفة على تدريب الأطباء الجدد في قسم الطب النفسي بمستشفى كاليفورنيا.

نشأت نشأةً مثالية في عائلةٍ محبةٍ ومجتمعٍ يشجّع فضولها المعرفي ، لذا لا توجد علاقةٌ بين إصابتها بالمرض و نشأتها الأولى ، بل إنّ مرض الهوس الإكتئابي هو مرضٌ وراثيٌّ ! الغريب في الأمر أن الدكتورة كاي متخصصةٌ في الأمراض النفسية و بخاصةٍ مرضها ( ذهان الهوس الاكتئابي) ، مما جعلها في حرجٍ من البوح بمرضها علاوةً على نشره في كتاب. البوح بمرضها قد يكلّفها وظيفتها و مصداقيتها في علاج هذا المرض ، هذا إذا علمنا أنها من ألمع الأطباء في مجال الطبِّ النفسيّ و خاصةً مرض ذهان الهوس الاكتئابي. لك أن تعرف عزيزي القارئ أن المرض يصيب المبدعين بنسبةٍ أكبر من عامة الناس.

وعندما أرادت الدكتورة كاي أن تحاول النسيان ، أحبّت رجلاً لندنيًا يعمل في الجيش وتزوجت به ، كان لها تقريبًا منفذًا وملاذًا من الحياة التي كانت تعيش فيها ، ولكن فجأةً وبدون مقدماتٍ يتصل بها ضابطٌ من وحدة زوجها ليخبرها بوفاته بنوبةٍ قلبيةٍ في إحدى الرحلات إلى الشرق ، لتعود سلسلة الأحزان بشكلٍ آخر مختلفٍ عما سبقه من حياتها.

علاج المرض يحتاج إلى شيئين: العلاج النفسيّ و دواء الليثيوم ، الشئ الغريب هو إصرار الدكتورة كاي جاميسون على عدم أخذ الدواء و الاستماتة في محاربته ، مع علمها بحاجتها الشديدة إليه دائماً ! أحد أسباب محاربتها لأخذ الدواء هو أنه يحرمها من أمْزجتها العالية و ممارسة الرياضة ، و يقللّ من حيويتها و حماسها الذي يتخطى القدر المعقول. الشيء المزعج في المرض هو أن المريض يحسُّ بتحسنٍ مؤقتٍ مما يجعله يتوقف عن تناول الدواء ،  و بالتالي عودة أعراض المرض ولكن بشكلٍ أكثر عنفاً و تكراراً ، تقول الدكتورة كاي (كنت مقتنعةً بأنني استثناءٌ للبحوث العلمية الشاملة التي أثبتت بوضوحٍ أنّ ذهان الهوس الاكتئابي لا يعود و حسب ، و لكنه يعود في هيئةٍ أكثر عنفاً و تكراراً!).

ربما هو إحساس العاجز الذي يرى أن مصيره تتحكم فيه أقراص الدواء! أو هو شعورها بالحرج الشديد من الذهاب إلى طبيبٍ آخر ليشخص لها مرضاً هي من أعلم الناس به! ثم معاناتها مع محاولات الانتحار العديدة الفاشلة ، وكيف أنها تناولت عبوةً كاملةً من الليثيوم ونَجَتْ !

لتعطي غيرها درسًا أن الحياة لا تنتهي إلا بالموت. وتعود بعدما تعافت من المرض لتكتب بكل شجاعةٍ ما حصل لها على الرغم من خطر تشويه سمعتها كطبيبةٍ نفسيةٍ مصابةٍ بمرضٍ نفسيٍّ ، صُنْف كأعلى الكتب مبيعاً في مجلة التايمز الأمريكية عند صدوره. كتابٌ رائعٌ غيرُ هادئٍ كعقل مؤلفته.

معلومات عن الكتاب:

العنوان: عقل غير هادئ-سيرة ذاتية عن الهوس والإكتئاب والجنون-.
المؤلف: كاي ردفيلد جاميسون.
ترجمة: حمد العيسى.
دار النشر: الدار العربية للعلوم.
عدد الصفحات: 239 صفحة

مقالة عن الكتاب في جريدة الرياض.
مقالة عن الكتاب في شبكة الإعلام العربية.