شـركَــةُ الطــبِّ الـقـابِـضـَة !

عندما يتحول الطب إلى تجارة ، فإن مفهوم الحضارة الإنسانية الرفيع ، ينحدر إلى الحضيض ، ليصبح أداة للمصالح الشخصية ، والوصول إلى المكانة الاجتماعية ، ومادة للصفقات التجارية ، وفرصة للانتهاكات الأخلاقية.

ذات ليلةٍ سرد علينا قائلٌ ، شابٌ تائهٌ عاطلٌ ، لا فائدة منه ولا طائل ، سرد قصة فشله في ترقيم البنات والمعاكسة ، وما أصابه من يأسٍ وإحباطٍ وتعاسةٍ ، إلى أن جاء عقله بفكرةٍ فهبّ ، وسارع بشراء “سكرب” ، لباس الأطباء وطلاب الطبّ ، وذهب يتبختر به في المولات ، وفوجئ بتأثيره السحري على الفتيات ، وجاء يحكي مغامرته يغمره الفرح ، ونشوة الانتصار ، بينما كنت في مزيجٍ من الحزن والغضب ، والاحتقار.

قَدِم من بلاده الشقيقة ، حاملاً شهادته العتيقة ، بعد سنوات الجدب والفقر العديدة ، آملاً بالثروة والجاه والحياة الرغيدة ، بدأ في عيادته ولا يملك إلا هباء ، لكن بفضل زملاءه الأطباء ، الذين يحولون له مرضاهم البؤساء ، وهم بلا تعبٍ ولا مرضٍ ولا عناء ، امتلأ جيبه ، وبنى بيته فوق ظهور هؤلاء الفقراء ، وإن احتاج إلى سيارةٍ جديدةٍ بموديل السنة ، طلب فحوصاتٍ أسعارها بالألف والمئة ، وليس لها بالمرض علاقةٌ أو صلة ، وإذا انتهى من شفط راتب مريضه المسكين ، وصف له من العلاج الغالي والثمين ، ليتم صفقته مع شركة الدواء ومندوبها السمين. وفي الشارع ، ترى إعلاناته فوق كل عمودٍ وإشارة ، يفوق عددها إعلانات التسويق وشركات التجارة ، يمدح نفسه ، ليس في الوجود مثله علماً وخبرةً ومهارة.

مستشفى ، مستوصف ، مركز طبي ، لافتاتٌ  فوق المباني ، ليس لها من أسمائها حظٌ ولا معاني ، يأتي المسكين أمام أبوابها من الموت يعاني ، يرفضونه ، لا حجة لهم ولا عذرٌ بل سببٌ واهٍ ، يرفضونه ، كأنه حيوانٌ لا إنسانٌ مسلمٌ دامي ، يرفضونه ، بسبب الجشع والطمع وحب النفس الأناني ، يتركونه للموت وهم أطباء! ، لكن أعماهم المال عن العقل الواعي.

ماذا بقي في الطب؟ أقدم المهن في تاريخ البشرية ، أجلّ الأعمال في الأديان السماوية ، أكثر ما يسمو بالحضارة الإنسانية ، بعد أن غزته الأطماع ، ولوثته الأموال ، فأصبح تجارةً حاضرةً تديرونها بينكم ، رأس مالها أرواح البشر ، تُباع وتُشترى وتُرهن ، في تدنيسٍ فظيعٍ لقداسة هذه المهنة ، وتنجيسٍ دنيءٍ لشرف العاملين بها ، وإفلاسٍ حضاري ، وانتكاس أخلاقي ، وخيانةٍ عظمى من الإنسان لأخيه الإنسان.

كلي أملٌ ورجاء ، أن يصحو وَعْيُنا قبل فوات الأوان ، ونبادر إلى تطهير هذه المهنة العظيمة مما شاب بها من الأطماع والمصالح ، ونعود بها إلى سموّها الإنساني ، وصورتها النقية ، قبل أن يأتي يومٌ ، ينصح فيه الخبراءُ بالاستثمار في شركات الطب القابضة!