ما هـوَ مَـرضُ الـسَّــرَطـان .. ؟؟!

مرض السرطان أعاذنا الله وإياكم والمسلمين من كل سوء، من أكثر الأمراض التي شغلت وما زالت تشغل اهتمام العلماء حول العالم لمحاولة فهم ماهيته. وكما هو معلومٌ أنه لا يمكن علاج أي مرضٍ بدون معرفة تفاصيل حدوثة ومنشأه، لهذا السبب فإن علاج مرض السرطان هذه الأيام غير مبنيٍّ على دراساتٍ كافيةٍ للقضاء عليه. ولا يستطيع أحد أن يجزم بأننا نعرف أكثر من 5% من طبيعة هذا المرض. وعلى الرغم من هذا فإن هذه الخمسة في المئة يطول شرحها؛ لذا سأستعين ببعض الأمثلة من التدوينة السابقة “ما هو الحمض النووي؟“.

كما نعلم فإن الجسم البشري يتكون من تريليونات من الخلايا؛ سنحتاج إلى تحويل الخلية في هذه الأمثلة إلى شخصٍ ليسهُل الفهم. هذا المرض دائمًا وأبدًا يبدأ من خليةٍ واحدةٍ -شخص واحد- وهذه من أهم قواعد المرض التي تدرّس في الكليات. إذاً ما الذي يحتاجه عضوٌ في المجتمع -خلية- ليصبح قويًا كمًّا وكيفًا بما فيه الكفاية ليهزم المجتمع كاملاً؟؟!
الشرط الأول هو الإكتفاء الذاتي: تحتاج الخلية لأن تكتفي بذاتها وتكون سيدة نفسها في التحكم في انقساماتها وتحركاتها، وستخرج عن النظام الهرموني والعصبي في الجسم. وستحاول الحصول على عوامل النمو بدون مرورٍ على الأنظمة التي تسمح بهذا في الجسم مثل الهرمونات أو ستسخره لمصالحها.

-صورة بالمجهر الإلكتروني لخلية سرطانية مكبرة من رئة مصابة بالسرطان-

الشرط الثاني هو التهرب من أنظمة العقاب: هذا ما تفعله الخلية؛ لأنها تعلم أنها مطاردةٌ من قِبَلِ جهاز المناعة في الجسم فتحذف أجزاءً من حمضها النووي التي لو تم قرائتها لكشف أمرها٬ وينطبق الكلام على -عضو المجتمع- فسيحرص على الهرب أو الإختباء.

الشرط الثالث هو أن تهرب من نظام الإنتحار الذاتي المبرمج داخل كل خلية: هنا تظهر عظمة الخالق سبحانه وتعالى، لو رجعنا إلى صديقنا -عضو المجتمع- سنجد صعوبة في تطبيق هذا الشرط عليه، لأنه يعني في حالته إحساسه بالذنب لما فعل ، غالبًا لن يتراجع لمجرد أنه أحس بالذنب، لكن الخلية ستفعل وستنتحر في الفور إذا لم تثبط هذا النظام فورًا -هذا النظام يعمل في الحالات التي تشعر الخلية بأن هنالك مشاكلاً وأعطالاً كبيرةً جدًا وغير قابلةٍ للتعديل في الحمض النووي-.

الشرط الرابع هو القدرة الكبيرة على التكاثر: وهذا الشرط تكمن أهميته في أن نظام المناعة غالبًا ما يتعرف على الخلايا المسرطنة “أبناء الخلية الأم” وتقتل بعضها. فإذا لم تكن الخلية تكاثرت بعددٍ كافي لاستمراريتها فسوف يفشل المشروع بعد فترةٍ قصيرة. غالبَا ما تكون على بتفعيل إنزيمات لإطالة عُمرِ الحمض النووي وما تسمى بالـ Telomerase.

الشرط الخامس وهو من أهم الشروط شرط الأكل والشرب: كيف لهذا المشروع أن يكتمل بدون غذاءٍ وأوعيةٍ دمويةٍ جديدة تبثّ الدم الممتلىء بالغذاء على الخلايا السرطانية؟ لذا تحرص الكتلة السرطانية على إنشاء أوعيةٍ دمويةٍ جديدةٍ خاصةً بها. -يشبه كثيرًا طلب مدِّ الكهرباء والمياه لمخطط- تحتاج إلى تجاوز الأنظمة في أحد البلديات أو وزارة المياه لتصل إليك الأنابيب، والخلية تغير بعض الصفحات في الحمض النووي لجعل هذه الشرايين تتوجه إليها مباشرةً-.

-صورة هستولوجية لخلية سرطانية منتقلة لأحد أعضاء الجسم عن طريق الأوعية اللمفاوية-

ونلحظ هنا أن عملية تحول الخلية إلى خليةٍ سرطانيةٍ عمليةٌ متعبةٌ وطويلةٌ؛ لذا أثبت العلماء أن هذه العملية تأخذ سنواتٍ حتى تصبح ورمًا محسوساَ، أي ان الخلية الأم كانت مسرطنةً قبل ظهور الورم بسنواتٍ عديدةٍ. هذه الشروط الخمسة ليست إلا مقدمةً بسيطةً في علم الاورام، وسيحتاج الحديث عن أسبابٍ لهذه الظواهر مناسبات أخرى، ولكن نأمل أن نرى في السنين القادمة علماء عرباً ومسلمين يضيفون لهذا العلم ويدخلون التاريخ من أحد أشرف أبوابه. عافى الله المبتلين بهذا المرض في كل مكان وزمان وأثابهم خيراً. اللهم احمِنا وأهلينا وأحبابنا والمسلمين من سيء الأسقام؛ اللهم آمين.

ما هو الـحِـمْـضُ الـنـَّــوَوي أو الـ DNA ؟

ما دعاني للكتابة عن الموضوع هو أني سألت شخصًا ما عن مكان الحمض النووي في الجسم البشري ، فأجابني ربما في البطن وربما في الدماغ! فأصبت بخيبة أملٍ كبيرةٍ. ومن يومها وأنا أحاول صياغة الموضوع بطريقةٍ قابلةٍ للفهم. تعالوا معًا نُـبحـر في مكانٍ لا يتجاوز ٣.٤ نانومتر.

قبل العام ١٩٥٣م لم يكن العالم يومًا يتصوّر الشكل الأخـّـاذ للحمض النووي ؛ السُّلـّمُ الملتفّ اللولبي. الحمض النووي هو الكتاب الذي يحمل جميع الوصفات الكيميائية لتحضير جميع البروتينات والإنزيمات في جسم الكائن الحي. ابتداءً من الفيروسات وانتهاءً بالإنسان. ولكنه لا يستخدم الحروف العربية في كتابة هذه الوصفات وإنما أربعة حروفٍ فقط وهي إختصارًا A,T,G,C.

الخالق سبحانه وتعالى أودع هذا الكتاب في كل خليةٍ حيةٍ .. أي أننا نحمل مليارات الكتب في أجسادنا بعدد خلايانا ، والغريب في الأمر أن جميع الخلايا البشرية تحمل نفس الكتاب ؛ ولكنها تنتج موادًا مختلفةً ولديها أشكالاً وقدراتٍ وتصرفاتٍ مختلفةً ، وفي كل كتابٍ تجد ٢٣ بابًا في ٣٠ ألف صفحةٍ ، فما الذي يجعل الخلايا مختلفة ؟!

يكمُنُ السرُّ خلف هذا الاختلاف أن الكتاب ليس متاحًا لأي خليةٍ بأن تقرأه كاملاً !! فلديها عددٌ معينٌ من الأبواب (الكروموسومات) والصفحات (الجينات) التي تستطيع استخدامها -وتختلف من خليةٍ لأخرى- فمثلاً: الخلية الكبدية سداسية الشكل لأنها لا تَــقـرأ إلا الأوامر المكتوبة في شريط الحمض النووي التي تجعل من نفسها خليةً سداسية الشكل ، والخلية العصبية بشكلها المميّز ينطبق عليها نفس قانون الحماية. ومن بعض عجائب الحمض النووي أنه في كل خليةٍ يصل طول الخيط الجيني إلى مترين ! ملتفةً حول بعضها البعض لتوضع في مكانٍ لا يتجاوز ١٠ مايكرومتر فسبحان الخالق.

اذاً ما الذي سيحدث عندما تتمكن بعض الخلايا من قراءة الكتاب كله ؟! هذه الحالة مُـثـبَـتـةٌ في مختلف أنواع السرطانات التي تخرج عن نظام العضو في جسم الإنسان والنظام الهرموني العصبي ؛ فتجدها خلية مشوهةً جدًا ؛ وتحمل صفاتِ أنواعٍ كثيرةٍ من الخلايا ؛ كالعظم والغضاريف والشعر والجلد والأسنان في مكانٍ واحد. وما الذي سيحدث إن تغير حرفٌ من حروف الكتاب أو جملةٌ أو تكرر بابٌ من أبوابه؟ إذا تغير حرفٌ فهذا يعتمد على مكان الحرف ؛ إن كان في صفحةٍ مهمةٍ تشرح تركيب وصناعة مادةٍ مهمةٍ في جسمنا ؛ فهذا الذي يحدث عند مرضى الأنيميا المنجلية مثلاً (هذا ما يسمى بالطّـفـرة الجينية). وإن كان في صفحةٍ لا تحتوي على معلوماتٍ مهمةٍ فغالبًا لا يحدث شيءٌ . إذا حذفت جملةً فهذا قد يؤدي إلى أنواعٍ كثيرةٍ من السرطانات! أما إذا تكرّر بابٌ كاملٌ ( مثلاً : الباب 21 ) فهذا الذي يحدث عند مرضى متلازمة داون وأمراضٌ وراثيةٌ كثيرةٌ غيرها. ولكن هناك بابٌ مهمٌ مميزٌ عن غيره ؛ وهو الباب الذي يحدد الجنس ذكر أم أنثى. فمثلاً: عمى الألوان ؛ الهيموفيليا والصلع… جميعها أمراضٌ تحصل عندما يتأثر هذا الباب من أبواب الكتاب.

ولكن هنالك سؤالٌ مهمٌّ. ألا توجد طريقةٌ للحفاظ على هذه الكلمات والجمل وحمايتها من الإزالة؟ بلى توجد طريقةٌ ونظامٌ غايةٌ في التعقيد لحماية الشيفرة النووية من العبث والإزالة ، ولكن للأسف مع زيادة المواد المؤكسدة في زماننا ؛ أصبح هذا النظام مثقلاً بمهامٍ جديدةٍ لم يكن متعودًا عليها. فزادت نسبة مرض السرطان وعلى رأسهم سرطان الرئة بسبب التدخين.

ما الذي سيحدث إذا كتبتَ جملةً في صفحةٍ معينةٍ بتكرارٍ معينٍ ؟ مثلاً إذا كتبت الثلاث الحروف CAG أكثر من 36 مرة ، ينتج عن ذلك المرض المعروف باسم داء هنتنغتون في الباب الرابع ( الكروموسوم الرابع ) CAGCAGCAGCAGCAGCAG….. . عالم الجينات والأحماض النووية مليءٌ بالعجائب والمعجزات فسبحان الخالق !

سأختم بمقطع يتحدث عن طريقة قراءة الخلايا لهذا الكتاب العظيم ، وهي باختصار أخذ نسخةٍ أوليةٍ من الكتاب نظرًا لقيمته المهمة ، فلا يمكن إخراجه من مكانه (النواة) ، ومن ثم التعديل في هذه النسخة وحملها الى خارج النواة لتبدأ عملية القراءة من النسخة بواسطة مصانع البروتين في الخلية. مشاهدة ممتعة.