الإلهام .. روحٌ تَخلُقهُ أنت!

الإلهام Inspiration :
هو إحساسٌ عاطفي نابعٌ من النّفس البشرية، وفعلٌ روحي يسمو بصاحبه إلى عالم الخيال والإبداع، فيرتقي بفكره وعاطفته ويكسر قيود وحواجز الروتين ليخلق عالمه الفريد من الهوايات والابتكارات، الإلهام هِبةٌ وهديةٌ من عند الله عز وجل، يمارسه الفرد بتوفيق من الله جلّ جلاله أولاً ثم بعوامل أخرى تسانده، وهو على نوعين :

1. إلهام الله عز وجل لأنبيائه الكرام ورسله العظام لتحقيق معجزة الرسالة الإلهية.
2. إلهام الله عز وجل لعباده وإكرامه لهم.

وما سأستحدث عنه هو النوع الثاني فمنه فطري ومكتسب، الفطري يولدُ في نفس كل إنسان منذ الولادة ويندثر بعد سنّ الطفولة أو يستمر بالتحفيز وممارسة بعض الأساليب والطُرُق، وبالتالي ينمو الإلهام الفطري ويُصبح مُكتسبًا أيضًا.

يستمدُ الملهمون إلهامهم الخاص بعِدة طُرُق :

    • من القرآن الكريم والحديث الشريف: كنعمة من عند الله عز وجل يبدون اهتمامهم بها وذلك بالتزود والقراءة في آيات الله الموجودة في كتابه العزيز أو التأمل في ملكوته ومخلوقاته في السماوات والبحار والأشجار والمناظر الطبيعية على اختلاف أنواعها وأشكالها. وكقدوة مُلهِمة نبينا ورسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، وذلك بمتابعة سيرة حياته القيادية والشخصية وكيف كان ملهماً ونبياً وصدّيقاً وأميناً. فيسعى الشخص بأن يُلهَم للخير والصلاح على سلف النبي الكريم وصحابته الكرام.
    • من المواهب المصقولة: كـالعالِم، والفنّان “والرسّام، والمصوِّر”، والشاعر، والملحِن، والكاتب، والمخترع، وغيرهم. فهم أشخاص يعيشون حولنا كالأصدقاء أو المشاهير ويلهموننا بأعمالهم وتفكيرهم وحُسن أدائهم الذي يُلهِم المتلقّي بنفس الفكرة متطورةً عنها أو بأفكار أخرى نابعة عن الفكرة الأم.
    • من الأحلام: تلك الرؤى الضوئية الخفيفة، التي ترى فيها أحاسيسك العميقة ويتحكم بها عقلك اللاواعي بما تريده وترغبه، ويحفّزك للنجاح والتفوق والتميّز في مجالك الذي ترغبه وتُصّر عليه. فغالباً عندما تستيقظ من حلمك الجميل يعطيك دفعة أمل قوية ومشاعر إيجابية تٌلهمكَ للعمل بشكل أفضل.
    • المشاهد التحفيزية: سواءً كانت من إنتاج فردي أو مجموعات أو مؤسسات خاصة. تجدها تُسهم وبشكل فعّال في تغيير نظرتك لحياتك وهدفك وطريقتك في إنجاز الأمور. هي مشاهد تصويرية أنشأها البعض بعدما حقّق النجاح وأراد مشاركة نجاحه ليكون ملهِماً للآخرين.
    • الحُب: الحُب الأسري، حب الزوجين العاشقين، حبُ الأصدقاء لبعضهم، الحب مهما اختلف شكله ونوعه وطرقه فهو من الأمور المساهمة في الإلهام بشكل إيجابي، فالحب الحقيقي النابع من القلب يشعرُ به المُلهم فيزداد شغفاً وفرحاً وأملاً وتحدياً بقوة لعيش المغامرة، والمُلهم قد يرقصُ فرحاً وغنى طالما يشعُر بقوة الحب التي تساعده في الإلهام، فيجسدها في قصص السعادة وتدوينات الفرح وسطور النجاح. والعكس صحيح. فقد يكون الفراق والانفصال ألمٌ يعصُر المُلهم قلبه ويذوق عذابه فتنهال سيل المشاعر والأحاسيس والتي غالباً تُسطر على الأشعار والقصائد والقصص الروائية.
    • التحدي والمنافسة: بعض الأشخاص يولدون بمشاعر القوة والقيادة وحب النجاح منذ الصغر، فيعيش وهو محور نفسه لنفسه ويحقق امتيازاته بشرف وفخر حتى يجد من هو أفضل منه بمجاله، فيشعر بقوة خصمه الذي يتقن أساسيات مهنته واحترفها، فتكون تلك المحرك الأقوى التي تدفعه للتطور والتفوق على الذات وعلى الآخرين والتعايش معهم بدون كرههم أو تحطيمهم، فأبسط مثال لذلك المصمم الذي يرى من هو أفضل منه فيأخذه مصدراً للإلهام.
    • الأصدقاء المبدعون: تخيّر لنفسك أفضل الأصدقاء من حيث التفكير والإبداع والإنتاجية، فكلما كثُر أصدقاؤك المبدعون كلما كنتُ ملهَماً ومنتِجاً وأكثر نجاحاً وإبداعاً، فوجود الأصدقاء سمةٌ قوية في خلق المنافسة المرحة المحفّزة، خصوصاً إذا وجدت اهتمامات مشتركة وهدف سامٍ يسعى الجميع لتحقيقه، فدائماً ستجدُ نفسك محاطًا بالأفكار الجيدة التي تولِّد في نفسكِ إلهاماً خاصاً فتخرج بفكرة جديدة أخرى.
    • التمازج العرقي والثقافي:زيارة المتاحف والنوادي المختلفة للثقافات المختلفة له دور كبير في إعطاء المُلهَم إلهامات أخرى، فعند زيارتك سترى تاريخ حياة النفس البشرية، وتُصور لك أعمالها الفنية بكل احترافية داخل خيالك وعقلك، الذي سيدفع  فُضولك وتعطُشك للمعرفة، والتي تساهم بشكل أكبر مما تتوقع في إلهامك أكثر فأكثر. وتلاحظ ذلك ممن تعلم لغة أخرى أو تعمّق بثقافة حضارة أخرى مثل اليابانية والكورية، فتجدهم يقتبسون أفكارهم ونجاحاتهم من بيئة تحفيزية قوية تساعدهم على الإبداع والخيال.
    • الأفلام الخيالية: قد يبدو الأمر غريباً لكنه حقيقة واقعية، أصبحنا في جيل التقنية التي ساعدت في تصدير الأفلام إلى العالم ككُل. فكثير من الملهمين يتعلمون منها ويزرعون مستقبلهم على واقع الأفلام التي يشاهدونها ولربما حققوا إنجازات بسبب فكرة شاهدوها في فيلم ما.
    • القصص الروائية: مطالعة الكتب والقصص والروايات من الطرق التي يعتمدها المُلهَم في كسب إلهامه الخاص خصوصًا أنه يجسّد الشخصيات بناءً على خياله اللا محدود، عبر قراءة كتاب يلهمه فكرة لكتابة كتاب آخر، أو يغوص في رواية ما فيلهمه حلولاً أخرى في ممارسة حياته الشخصية.
    • البيئة المساندة: أياً كان نوعها، البعض يعتقد أنه لابد من توفر الجو الهادئ الدافئ، مع الجلوس على كرسي مريح في شرفة تطل على منظر جميل، لتهيئ نفسه للكتابة أو الرسم، لكنّ الحقيقة ليست هكذا دائمًا، قد تكون هناك بيئة خصبة بالمشاكل والمصاعب وأسوأ الحالات معيشة ومع ذلك تخرج بإلهام خارق ليس له مثيل، مثل الكاتبة (جوان كاثلين رولنج) وكتابها المشهور (هاري بوتر) .

قد تجدُ إلهامك في نسيم بحر، أو رزق نملة ، أو مشكلة ، أو ذكرى قديمة، بل قد يكون إلهامك في الحياة والموت. أينما كان إلهامك، وكيفما كان ، إياك أن تتوقف عن البحث لتجد إلهامك الخاص. الإلهام يأتي في أي مكان وفي أي زمان، فهو وليد اللحظة، إن لم تقتنصه وتستفد منه فإنه سيضيع بكل بساطة، لأنه غالباً ما يتحد مع أخيه الحماس وبالتالي إن توانى الشخص عن تحقيق ذلك الإلهام في ذلك الوقت نفسه فإنه سيضيع هباءً منثوراً. ومن طرائف الإلهام أحياناً يكون غريباً بعض الشيء، فهو يختار تلك الأماكن التي يجدُ الإنسان فيها راحته (الخلاء) فتجده غارقاً بسيل من الإلهامات العجيبة والأفكار الخارقة، والتي غالباً ما تنساها بمجرد خروجك من دورة المياه!

إلهَامِي المُخلِص :
كُنتَ ولا زِلتَ مَنبَع نَجاحاتي وامتِيازاتي بعد الله عز وجل، فشُكراً لِمرافَقتي حَتى الآن، وَأرجُو أَن تَستَمِر فِي مُرافَقتي حَتى مَمَاتِي ..

حسناً .. شاركني الآن وأخبرني . من أين تستمدُ إلهامك الخاص؟!

” نـِقـاش الـمُـشـكـلـة ومُـشـكــلـةُ النـِّـقــاش “

بينما كنت أتصفح سريعا ًردود خبرٍ صحفي يتعلق بحادثةٍ تورّط فيها أفرادٌ ينتمون لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، استوقفني أحد الردود قليلاً ، وكنت متيقناً بأن العشرات من الردود بعده تشبهه تماماً ، بنفس الدرجة التي كنت متأكداً فيها من أن الخبر نفسه مكررٌ وبنفس تتابع الأحداث ولكن باختلاف الأماكن ، الرد لم يكن جديداً أو غريباً عليّ من النظرة الأولى ، ولكنه بدا لي كذلك بعد لحظاتٍ من الـتأمل. في العادة تجري النقاشات وتكتب المقالات لأجل إيجاد حلٍْ لمشكلةٍ ما، لكني دائماً لا أجد هذه الصفة في حواراتنا أو ردودنا عندما نناقش خبرًا ما ، ومعظم الوقت ينتهي النقاش إلى ما بُدِئ به ، أو يبقى مفتوح النهاية بلا حسمٍ للمشكلة. فأين هي المشكلة إذاً؟

كعادة مجتمعنا والذي يعيش أجواء العصور الوسطى حيث نظام التواصل البشري في أبسط صورةٍ له ، فإمّا مؤيدٌ أو معارضٌ ، ولا خيار للطرف الثاني إلا أن يؤيد الأول أو يقاتله ، وبالطبع لا وجود لرأيٍِ ثالث ، فالدنيا عند هؤلاء القوم تظهر لهم كما يرى الطبيب صورةً لأشعةٍ سينيةٍ ، ومجتمعنا متمسك بشدة بعاداته وتقاليده حتى تلك التي تعود لأجداده من القرون الوسطى ، فتراهم وإن كانوا يستخدمون الحواسيب الجديدة واتصال انترنت عالي السرعة إلا أن ردودهم وحواراتهم حول قضيةٍ ما هو نفسه ذاك الذي كان يجري زمن الإنسان الأول.


وفي حالة المقال السابق ، كان نصف المعلقين على الخبر إما مؤيدين لما فعله رجال الهيئة أو معارضين ، وإذا أردت البحث عن سببٍ قويٍّ أو حُجةٍ مقنعةٍ بين سطور الجانبين فسيذهب بحثك أدراج الرياح ، لأن غالبية المتحاورين – إن جاز لنا الوصف ولا أظن ذلك – يجيدون فن الاقتباس كما لم ولن تجيده أمةٌ من الأمم ، فتجد حواره ما هو إلا اقتباس لآياتٍ وأحاديث وأقوال من السلف والخلف ومن شعرٍ ونثر ، وكل ما تقع عليه عينه تنسخه يده ، ولا حاجة لك أن تسأله إن كان يعي معاني تلك الجمل المنسوخة ، فبقية حديثه التافه ؛ أو ما يصفه هو بـ”التعليق” يكشف لك عن مدى فراغ جمجمته ، وأول ما يؤكد ذلك جهله التام بمعاني كثير من الكلمات ، فيؤولها بما يتماشى مع رأيه ، بل إنه لا يجد حرجاً من أن يناقض نفسه بنفسه وفي ذات المقال أو الرد ، حتى ولو من باب الذوق والإخراج الكتابي ، فلن تجد في الأرض شعباً يفسر “ترهبون به عدو الله” بأنه دعوة لتفخيخ الأجساد وتفجير الأبرياء والأطفال والنساء ، أو “الرجال قوٌامون على النساء” بأن المرأة جاريةٌ عند الرجل ، إلا عند مجتمعنا المعاصر ، وإنما للعصور الجيولوجية السحيقة.


وعند متابعتنا لأسلوب النسخ والنقض هذا نجد العجب العجاب، نجد شخصاً ينزعج من محاوره لأنه جاء بآيةٍ أو حديثٍ تناقض ما جاء به هو من الآيات ، وحاشا أن يتناقض القرآن لكنه فهمهم القاصر ، وبدل أن يبحث في فهمه لربما كان مخطئاً أو حتى في فهم الطرف الآخر ، تجده يتابع النسخ فيأتيك فوراً بـ” أتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض” ! وهكذا طبق علم النسخ والنقض حرفياً ، فهو نسخ آيةً أخرى دون أن يفهمها أو يفهم الأولى ، وفي نفس الوقت نَقَضَ نفسه ، لأن الآية التي احتجّ بها تنطبق عليه أيضاً في هذه الحالة لأنه لم يقبل بالآية التي استدل بها خصمُه.

وإذا ما تابعنا تحليلنا المؤلم لحوار هؤلاء القوم ، فسنلحظ ظاهرةً غريبة! ربما غريبةَ على بني البشر المكرمين بالعقل ، لكنها تبدو طبيعيةَ جداً عند معشر “مثقفينا” المحليين ، وبالعودة إلى مقال حادثة الهيئة ، سنجد أن أول وآخر ودائم العذر هو أن “البشر خطْاؤون”! وأن رجال الهيئة قدموا الكثير ، وما خَطؤُهم إلا صفةً بشرية لا تعني شيئاً في بحور فضائلهم ، وغالباً ما ترى خصمه يتفادى الخوض في هذه النقطة لأنه لا يجد ما يرد به على حقيقة خطأ البشر ، ربما كان محقاً ، لكن بعد فترة نجد مقالاً عن خطأٍ مماثلٍ للهيئة ، ونجد نفس المتحاورين بنفس العذر ونفس القبول! في حوارٍ جديدٍ وكأن الحدث يقع للمرة الأولى ، وكأنهم لم يُجْرُوا حِواراً مشابهاً بل يكاد يكون مطابقاً ، وكأن المرة الأولى مُحِيَتّ من ذاكرتهم وإلى الأبد! على الأقل يتجنب ذكر مسألة الخطأ ، لأن تكراره مراتٍ عدة يخرجه من دائرة العفوية البشرية إلى التعمد والإصرار والذنب.


لكن آفة مجتمعنا أن ذاكرته قصيرة الأمد ، فدائماً ما نأخذ الأمور ونحلل الأحداث مفردة ومنعزلة عن محيطها العام ، وعن شبيهاتها وسابقاتها وما يتصل بها من أحداث الماضي وتعقيدات الحاضر ، فتجدنا نسارع إلى تفسير حادثةٍ ما بأنها سبب كل ما يحصل الآن ، ونبني عليها ما سيجري في المستقبل ، وبعد أيام نقرأ خبراً مغايراً فنحمله هو الآخر مسؤولية أحداث الحاضر والمستقبل بمنظورٍ مختلفٍ تماماً عن تحليلنا السابق ، وهكذا يمضي عامٌ كاملٌ ونحن عاجزون عن فهم ما يحدث لنا وحولنا ، فيما لو كنا بعيدي نظر وذوي ذاكرةٍ طويلةٍ ، لجمعنا هذه الأحداث المتفرقة ، وقد تكون مختلفة في المضمون ومتباعدةً في أزمان وقوعها ، لكن بترتيبها منطقياً ومن ثم تحليلها سنصل إلى الفهم المنشود والرؤية الواضحة لمجريات الأمور ، وهذا ما يعتبر خطوة أولى في طريق الإصلاح والتطوير ، أما أن نضع خططاً كثيرة بميزانيات ضخمة لأجل الإصلاح ، ونحن لا نعرف بعد ما الذي سنصلحه وما الذي سنطوره وما الذي سيبقى على حاله ، ببساطة لأننا لا ندري ما هي الحال أساساً ، كمن يصلح سارية السفينة وهو لا يدري أن المشكلة حفرة في قاعها!