“طـَـريـقُ الــعَــقـْــلِ الــمُـــزْدَوج”

عندما تُبنى مبادئنا على أسس ضعيفة وهشة، فإنها سرعان ما تتهاوى أمام أضعف العقبات، فنلجأ “لا شعوريا” إلى مناقضة مبادئنا كي نتجاوز هذه العقبات، ومع الوقت والتكرار، يصبح التناقض منهجاً لتفكيرنا في كل شيء، حتى تصبح عقولنا كالطرق السريعة المزدوجة، ذات اتجاهين!

كنتُ حاضراً في أحدِ المجالس ، استمع مع الحاضرين إلى صحفيٍّ قديرٍ ، وهو يحكي معاناة الشباب والفتيات مع القبول في الجامعات ، وسرد لنا قصّته ومعاناته الخاصة ، مع ابنه المتخرّج حديثاً من الثانوية ، بنسبةٍ لا تؤهله للقبول في تخصّصٍ  مناسبٍ ، ويتابع الرجل بمرارةِ أبٍ مخلصٍ ، ممزوجةً مع فخرٍ صحفيٍّ نافذٍ ، كيف لجأ إلى معارفه من النافذين في سلْكِ التعليم العالي ، وكيف تفاجأ وهو في مكتبِ “طويل العمر” ، أن هناك الكثير ممن يعرفهم شخصياً من “قِصار العمر” ، قد سبقوه وهم يترجّون ويتذلّلون من أجْلِ توقيعٍ أو مكالمةٍ ، تضع أبناءهم وبناتهم في قائمة “مستقبلٌ مضمون” الحصرية. لكن صاحبنا وبسبب مكانته الاجتماعية المرموقة ، حظيَ باهتمام المسؤول ، ولم يرمَ في طابور الرِّعاع المُمتدِّ من باب المكتب إلى نهاية الشارع ، ولم يكد يَطَأُ بقدمه “المرموقة” خارجاً ، إلا وسلسلة اتصالاتٍ خاطفةٍ ، تأخذ طريقها إلى مكاتب الجامعة ، حاملةً الأوامر العاجلة ، بقبول ابن فلانٍ في الكلية التي يرغبها.

ما زلت أتأمل في الصحفيِّ القدير ، مبهوراً من نفُوذه ، مُعجباً بأبويّته ، مُندهشاً من أسلوب كلامه ، ومحتقراً لذمّته! ، وهو يرتشِفُ الشاي ليرطِّب حُنجرته المهمّة ، ويتابعَ حديثه بشغفٍ عن النّظام الجامعي البالِي ، وكيف أنّه لا يعدِل بين المتقدّمين ، ولا يُراعي الفروقات الفردية! ، وكان أرشيف عقلي يسترجعُ مقالاً قوياً قرأته ذات مرةٍ عن مساوئ الواسطة في مجتمعنا ، وأنها بلاءٌ وسببٌ للتخلّف والرجعية ، ولم يكن كاتب المقالة القويّة ، إلا الصحفيَّ ذو الحنجرة الذهبيّة ، صاحب الواسطة والمكانة الاجتماعية! ، تذكرت ذلك بينما يحاول جاهداً –بموهبته الانتقاديّة الفطرية- أن ينال من نظام التعليم بشتّى الوسائل ، سارداً قائمةً طويلةً من العيوب والمشاكل ، والتي واجهها التعليم قبل عقودٍ من الزّمن! ، وعندما شعر بأن قائمته شارفتْ على الانتهاء ، انطلق يسبح في عالم النّقد والتحليل ، ليهاجم النظام الصحيّ والسّكنيّ والبلديّ والعمّاليّ والتقاعديّ في نَفَسٍ لاهِث ، وسيلٍ لا ينقطع من الكلمات المتتابعة بدون فواصل ، حتى لا يترك مجالاً لأيٍّ من الحاضرين ، ليتذكّر ما كان قدْ كتبه عن الواسطة ، ثمّ كيف استعان بها الآن ، فيتجرَّأ ويطرحها للنقاش أمامه.

الإزدواجيّة والتناقض ، أبرزُ السِّمات الفكرية لمجتمعنا المُعاصر ، في أيِّ قضيةٍ نُواجهها ، وكيفما حاولنا تحليلها وفهمها ، سنرغِم أنفسنا على اللّجوء إلى الإزدواجيّة ومناقضة آرائنا ومبادئنا ، لنخلص أنفسنا من مأزقٍ الإقرار بحقّ الآخرين ، أو مذلة الاعتراف بخطئِنا ، وفي بعض الحالات ، عندما نواجه ما يخالف مبادئنا ، فنلْجأ إلى التّحايل عليها ونقضها ، أو “نزّْدَوِج” لمجرّد اتّباع الهوى وتقديم مصلحتنا الشخصية على الغير ، فنُعاتب الآخرين على خطأٍ قد نرتكبه بأنفسنا يوماً ما ، وبدل الاعتراف به ، نحاول أن نبرّره قدرَ الإمكان ، بصورةٍ تجعل العذْرَ يُبرِّر الخطأ لنا ، لكنه لا يُبرِّرُ نفس الخطأ للآخرين!

قيادة السيارة على سبيل المثال ، فالسائق يغضب ويسبّ ويلعَن ، لمجرد أن شخصاً تعدّى أو “سقط” على مساره فجأةً ، وبعد دقائق قليلةٍ لا ترى إلا نفس السّائق وقد سقط على عرْض الطريق بكامله ، وعندما تواجهه بأنانيته ومناقضته لنفسه ، يردُّ عليك بثقةٍ عجيبةٍ بأن هذا “عُرْفُ الطريق”! ، وهو ليس بعُرّفٍ نزل من السماء ، أو كتبه الحكماء والعقلاء ، بل هو كتابٌ مفتوحٌ ، يضعُ فيه أيّ سائقٍ همجيٍّ قانونه الخاص والمريح لمزاجه ، وله الحقّ أن يغيّره كيفما شاء ، متى ما رأى مصلحته تعارضت مع ما كتبه بنفسه ، فيصِف سقوطه الحرَّ بأنّه شرعيٌّ ، بسبب وضعية الطريق وزاوية الالتفاف ، بينما “سقطة” الآخر جريمةٌ قذرةٌ ، بسبب حالة الزحام واتجاه الرياح!

ومن مظاهر التّناقض العجيبة ، عندما نرفض دائماً أن يتقدّم أحدٌ علينا في صفِّ الانتظار ، لكننا نتحيَّن الفرص ونكيدُ المكائد ، لأجل أن نقفز في الصفِّ مرتين أو أكثر للأمام ، وإذا ما كنا عاطلين عن العمل ، طالبنا بتخفيض رواتب الموظفين المرتفعة حتى نجد لأنفسنا وغيرنا من العاطلين وظائفًا ، ومتى ما شعرنا باستقرار الكرسيّ تحتنا ، طالبنا بزيادة الرواتب ، والعجب كل العجب عندما تشاهد شخصاً جاهلاً يخبره الطبيب بنجاح العملية ، فيُغرِقه بالمديح والثناء ، وأنه أفضل الأطباء ، وعندما تسوء حالته بعد ذلك ، يصفه بالطبيب الفاشل ، وأنه بإجراء الجراحات جاهل!

ولم يَسْلِم الدين ، وهو الذي قام على سلامة العقيدة ، وحسن النية ، وإخلاص العمل ، لم يسلمْ من تناقضات قلةٍ من أتباعه ، فنجد بينهم من يدرّس الشريعة لأغراضٍ دنيويةٍ ، فيُتقلّد بها المناصب ، ويحصل على الأموال والنفوذ ، وبعضٌ آخر يتخبط في الفتوى ، فيحرّم شيئاً ، ويسارع إلى تحليله بعد فترةٍ قصيرةٍ ، أو أن يُحرّم عملاً لسببٍ ما ، ويحلل آخر وهو فيه من السبب نفسه. قد تكون هذه التناقضات المنسوبة زوراً إلى الدّين من أخطر التناقضات الفكرية ، لكنها من جهة أخرى ، تواجه مقاومةً عنيفةً من العلماء ، ذَوِي العلم الواسع ، والعقل المتفتّح الواعي ، ممّا قللّ خطر أدْعياء التدين ، وحجّم من انتشار فكرهم.

أما في الجانب الآخر من المجتمع ، نجد الشباب الطائش والفارغ داخلياً ، المشوش فكرياً ، والمنحرف أخلاقياً ، والذي لا يجد ما يشغل وقته إلا التعرف على أكثر عددٍ من الفتيات ، ومواعدة أجمل الجميلات ، وارتكاب أعظم الفواحش والمنكرات ، ومن ثم يمشي متبختراً ، أمام أقرانه من الفاسدين والفاسدات ، متفاخراً بعشيقاته ، وكأنهن أوسمة شرفٍ على صدره المريض بالآفات ، وإذا ما جاءه أهل الفتاة ، غاضبين ثائرين للعِرضِ وشرف العائلات ، لم يُلْقِ لهم بالاً ، بل ربما عاندهم وفضح صور بناتهم في المنتديات ، لكن عندما يفاجأ يوماً بشابِّ طائشِ مثله ، فعل بأخته مثلما فعل هو في البنات ، فإنه يهيج كثور طار عقله ، ويهدّد بالقتل والانتقام والويْلات ، يدّعي الرجولة والحميّة! وهو الذي انتهك الحرمات ، يدّعي حقّ الانتقام للشرف والعرض! وهو من باعهما بأقل الريالات ، وها قد جاء موعد الدفع ، وتصفية الحسابات ، فلم الغضب؟ وهل انتهاك العِرْض لك مشروعٌ ، وعلى غيرك من المحرمات؟ أم يَحرُم على غيرك الانتقام ، وهو لك من المباحات ؟ِ

إن ازدواجيتنا وأنانيةَ تفكيرنا تخطّت بيئتنا المحلية ، وأصبح يعاني منها شعوب الأرض ، فعندما نسافر إلى بلاد الله الواسعة ، نحتقر أصحاب الأرض ونهينهم في بلدهم وبين أهلهم ، لكن عندما يقدِمُون إلينا ضيوفاً للرحمن ، حُجّاجاً لبيتِ الله الحرام ، نُعاملهم بترفعِ وكبرياءِ ، وكأنهم بشرٌ من الدرجة الثانية ، نقول أننا مسلمين والإسلام دين العدل والمساواة بين القبائل والشعوب ، وفي ذات الوقت نحتقر العمالة الوافدة ، ونقلل من قيمة جيراننا من الشعوب ، ونبغض من أصوله ليست بـ”قبلية”! ، بل نُعادي حتى القبائل الأخرى ، في تجسيدٍ واضحٍ لمبدأ العنصرية الجاهلية النّتنة.

كل هذه التناقضات الفكرية العنيفة ، ما هي إلا خللٌ في طريقة العقل في تحليل وحلّ المشكلات ، ليس لها سببٌ معينٌ ، وليست محصورةً بمكانٍ أو زمنٍ أو فئةٍ عمريةٍ محددةٍ ، بل هي نتاج خليطٍ معقد من عادات اجتماعية سلبية ، وتراثٍ حضاريٍّ مشوّه ، وحقبةٍ تاريخيةٍ منعزلةٍ ، اصْطَدَم ذلك كله بتعقيدات العصر الحديث ، ووتيرته المتسارعة ، وتياراته الفكرية المتنوعة ، وبين هذين العالمين المختلفين ، احتارت عقولنا أيَّ طريقٍ تسلك؟ وفي ظلّ انعدام الموجّه والدليل ، انصَعنا لحكمِ الأهواء ، فمتى ما وجدنا مصلحتنا مع التقدم والحداثة سلكنا طريقها ، ومتى كانت منفعتنا في التمسك بإرثِ الأجداد قفلنا راجعين إلى طريقهم! وهكذا لم يقوى المجتمع على اللّحاق بركب الحضارة وسفينة العولمة ، فبقينا متخلفين على برِّ الماضي ، واقفين على أطلال مجدٍ زائلٍ ، فلا أعدنا بناءه من جديد ، ولا تركنا رياح الحداثة تأخذ مجراها.

عندما نُزيل رمال الجهل المتراكمة ، ونرفع أحجار الخرافات والأساطير ، عن سرِّ العظمة والمجد القديم ، عن نبْع الإسلام الصّافي ، الخالي من التشدّد والبدع والأهواء ، ثم نحسب متغيرات العصر ونضيف إليه متطلباته ، في بساطةٍ وتناغمٍ وتكاملٍ ، تجعل من معالم الطريق واضحةً أمام عقولنا ، فلا تجد صعوبةٍ في رؤية العقبات على حقيقتها ، وتحليلها ثم “تجاوزها” إلى الأمام بما تملكه من الأدوات ، المصنوعة من مبادئ الإسلام ومتغيرات الزمان ، بدل أن نضطّر إلى “تغيير” وجهتنا إلى الوراء ، وبهذا لن تكون حلول العقل متناقضةً يعاكس بعضها بعضاً ، ولن تجد الأنانية طريقاً إلى أدوات عقولنا ، فنسمو بفكرنا فوق كل ازدواجيةٍ وتناقضٍ ، مهما كانت دوافعها.

” نـِقـاش الـمُـشـكـلـة ومُـشـكــلـةُ النـِّـقــاش “

بينما كنت أتصفح سريعا ًردود خبرٍ صحفي يتعلق بحادثةٍ تورّط فيها أفرادٌ ينتمون لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، استوقفني أحد الردود قليلاً ، وكنت متيقناً بأن العشرات من الردود بعده تشبهه تماماً ، بنفس الدرجة التي كنت متأكداً فيها من أن الخبر نفسه مكررٌ وبنفس تتابع الأحداث ولكن باختلاف الأماكن ، الرد لم يكن جديداً أو غريباً عليّ من النظرة الأولى ، ولكنه بدا لي كذلك بعد لحظاتٍ من الـتأمل. في العادة تجري النقاشات وتكتب المقالات لأجل إيجاد حلٍْ لمشكلةٍ ما، لكني دائماً لا أجد هذه الصفة في حواراتنا أو ردودنا عندما نناقش خبرًا ما ، ومعظم الوقت ينتهي النقاش إلى ما بُدِئ به ، أو يبقى مفتوح النهاية بلا حسمٍ للمشكلة. فأين هي المشكلة إذاً؟

كعادة مجتمعنا والذي يعيش أجواء العصور الوسطى حيث نظام التواصل البشري في أبسط صورةٍ له ، فإمّا مؤيدٌ أو معارضٌ ، ولا خيار للطرف الثاني إلا أن يؤيد الأول أو يقاتله ، وبالطبع لا وجود لرأيٍِ ثالث ، فالدنيا عند هؤلاء القوم تظهر لهم كما يرى الطبيب صورةً لأشعةٍ سينيةٍ ، ومجتمعنا متمسك بشدة بعاداته وتقاليده حتى تلك التي تعود لأجداده من القرون الوسطى ، فتراهم وإن كانوا يستخدمون الحواسيب الجديدة واتصال انترنت عالي السرعة إلا أن ردودهم وحواراتهم حول قضيةٍ ما هو نفسه ذاك الذي كان يجري زمن الإنسان الأول.


وفي حالة المقال السابق ، كان نصف المعلقين على الخبر إما مؤيدين لما فعله رجال الهيئة أو معارضين ، وإذا أردت البحث عن سببٍ قويٍّ أو حُجةٍ مقنعةٍ بين سطور الجانبين فسيذهب بحثك أدراج الرياح ، لأن غالبية المتحاورين – إن جاز لنا الوصف ولا أظن ذلك – يجيدون فن الاقتباس كما لم ولن تجيده أمةٌ من الأمم ، فتجد حواره ما هو إلا اقتباس لآياتٍ وأحاديث وأقوال من السلف والخلف ومن شعرٍ ونثر ، وكل ما تقع عليه عينه تنسخه يده ، ولا حاجة لك أن تسأله إن كان يعي معاني تلك الجمل المنسوخة ، فبقية حديثه التافه ؛ أو ما يصفه هو بـ”التعليق” يكشف لك عن مدى فراغ جمجمته ، وأول ما يؤكد ذلك جهله التام بمعاني كثير من الكلمات ، فيؤولها بما يتماشى مع رأيه ، بل إنه لا يجد حرجاً من أن يناقض نفسه بنفسه وفي ذات المقال أو الرد ، حتى ولو من باب الذوق والإخراج الكتابي ، فلن تجد في الأرض شعباً يفسر “ترهبون به عدو الله” بأنه دعوة لتفخيخ الأجساد وتفجير الأبرياء والأطفال والنساء ، أو “الرجال قوٌامون على النساء” بأن المرأة جاريةٌ عند الرجل ، إلا عند مجتمعنا المعاصر ، وإنما للعصور الجيولوجية السحيقة.


وعند متابعتنا لأسلوب النسخ والنقض هذا نجد العجب العجاب، نجد شخصاً ينزعج من محاوره لأنه جاء بآيةٍ أو حديثٍ تناقض ما جاء به هو من الآيات ، وحاشا أن يتناقض القرآن لكنه فهمهم القاصر ، وبدل أن يبحث في فهمه لربما كان مخطئاً أو حتى في فهم الطرف الآخر ، تجده يتابع النسخ فيأتيك فوراً بـ” أتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض” ! وهكذا طبق علم النسخ والنقض حرفياً ، فهو نسخ آيةً أخرى دون أن يفهمها أو يفهم الأولى ، وفي نفس الوقت نَقَضَ نفسه ، لأن الآية التي احتجّ بها تنطبق عليه أيضاً في هذه الحالة لأنه لم يقبل بالآية التي استدل بها خصمُه.

وإذا ما تابعنا تحليلنا المؤلم لحوار هؤلاء القوم ، فسنلحظ ظاهرةً غريبة! ربما غريبةَ على بني البشر المكرمين بالعقل ، لكنها تبدو طبيعيةَ جداً عند معشر “مثقفينا” المحليين ، وبالعودة إلى مقال حادثة الهيئة ، سنجد أن أول وآخر ودائم العذر هو أن “البشر خطْاؤون”! وأن رجال الهيئة قدموا الكثير ، وما خَطؤُهم إلا صفةً بشرية لا تعني شيئاً في بحور فضائلهم ، وغالباً ما ترى خصمه يتفادى الخوض في هذه النقطة لأنه لا يجد ما يرد به على حقيقة خطأ البشر ، ربما كان محقاً ، لكن بعد فترة نجد مقالاً عن خطأٍ مماثلٍ للهيئة ، ونجد نفس المتحاورين بنفس العذر ونفس القبول! في حوارٍ جديدٍ وكأن الحدث يقع للمرة الأولى ، وكأنهم لم يُجْرُوا حِواراً مشابهاً بل يكاد يكون مطابقاً ، وكأن المرة الأولى مُحِيَتّ من ذاكرتهم وإلى الأبد! على الأقل يتجنب ذكر مسألة الخطأ ، لأن تكراره مراتٍ عدة يخرجه من دائرة العفوية البشرية إلى التعمد والإصرار والذنب.


لكن آفة مجتمعنا أن ذاكرته قصيرة الأمد ، فدائماً ما نأخذ الأمور ونحلل الأحداث مفردة ومنعزلة عن محيطها العام ، وعن شبيهاتها وسابقاتها وما يتصل بها من أحداث الماضي وتعقيدات الحاضر ، فتجدنا نسارع إلى تفسير حادثةٍ ما بأنها سبب كل ما يحصل الآن ، ونبني عليها ما سيجري في المستقبل ، وبعد أيام نقرأ خبراً مغايراً فنحمله هو الآخر مسؤولية أحداث الحاضر والمستقبل بمنظورٍ مختلفٍ تماماً عن تحليلنا السابق ، وهكذا يمضي عامٌ كاملٌ ونحن عاجزون عن فهم ما يحدث لنا وحولنا ، فيما لو كنا بعيدي نظر وذوي ذاكرةٍ طويلةٍ ، لجمعنا هذه الأحداث المتفرقة ، وقد تكون مختلفة في المضمون ومتباعدةً في أزمان وقوعها ، لكن بترتيبها منطقياً ومن ثم تحليلها سنصل إلى الفهم المنشود والرؤية الواضحة لمجريات الأمور ، وهذا ما يعتبر خطوة أولى في طريق الإصلاح والتطوير ، أما أن نضع خططاً كثيرة بميزانيات ضخمة لأجل الإصلاح ، ونحن لا نعرف بعد ما الذي سنصلحه وما الذي سنطوره وما الذي سيبقى على حاله ، ببساطة لأننا لا ندري ما هي الحال أساساً ، كمن يصلح سارية السفينة وهو لا يدري أن المشكلة حفرة في قاعها!